27‏/1‏/2009

صمود غزة دروس وعبر


صمود المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة "حماس" في وجه العدوان الصهيوني الهمجي اللا أخلاقي، يوجب علينا استخلاص الدروس و العبر، من أجل تثمين الانتصار والإبقاء على روح التجنيد للوقوف في وجه المخطط الصهيو-أمريكي الساعي إلى تصفية القضية الفلسطينية من أي فعل مقاوم يعيد لأصحاب الحق الشرعيين أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي مند وعد "بلفور" سنة 1948.

فلسطين التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس في سنة 1938 " كل مسلم مسِِؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يرى هناك من أرواح تزهق، و صغار تيتم، و نساء ترمل و أموال تهتك و ديار تخرب و حرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة المكرمة"

ومن بعده الشيخ البشير الإبراهيمي يقول : " إن فلسطين وديعة محمد (صلى الله عليه و سلم) عندنا و أمانة عمر (رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخدها اليهود منا و نحن عصبة إنا إذا لخاسرون".

الدرس الأول: إنتصار المقاومة عسكريا و سياسيا

- مقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر قد ولت و إلى الأبد، ها هو الجيش الإسرائيلي يتلقى مرة أخرى هزيمة نكراء و ينسحب من معركة غزة الصامدة على يد فصائل المقاومة بقيادة حركة "حماس"، دون تحقيق أهدافه المعلنة قبل الحرب، أو فرض شروطه السياسية على فصائل المقاومة، كما كان الشأن من قبل في جنوب لبنان ثم في حرب حزيران 2006 على يد المقاومة اللبنانية.

- استطاعت فصائل المقاومة الفلسطينية الصمود في وجه الجيش المصنف في المرتبة الرابعة عالميا و المؤيد بقرار سياسي من المجتمع الدولي و بتواطؤ بعض الأنظمة العربية والإسلامية، رغم الدمار و الخراب الذي سببه القصف العشوائي بالطائرات و الدبابات و الزوارق البحرية إلا أنه في المعركة البرية وهي الفيصل في كل معركة عسكرية لم يتمكن الجيش الإسرائيلي أن يقتحم أي مدينة من مدن غزة، مخافة أن تكبده فصائل المقاومة خسائر تكون عواقبها وخيمة على مستقبل الكيان الصهيوني.

نعم استطاعت فصائل المقاومة بقيادة "حماس" أن تجبر الكيان الصهيوني الإعلان على وقف إطلاق النار من جانب واحد دون أن يتمكن من فرض شروطه السياسية و دون تحقيق الأهداف العسكرية التي أعلن عنها قبل بداية الحرب على غزة، وهي:

- وقف إطلاق صواريخ المقاومة.

- القضاء على حركة "حماس" و جناحها العسكري "كتائب عز الدين القسّام".

- القضاء على البنية التحتية لحركة "حماس".

- العودة بالجندي الأسير" جلعاد شاليط".

إلا أن أيا من هذه الأهداف لم تتحقق، و أكثر من ذلك حدث الفعل العكسي حيث خرجت فصائل المقاومة بقيادة "حماس" أكثر صلابة و قوة و انسجاما مما كانت عليه قبل بداية الحرب على غزة، و استطاعت أن تجند الشارع العربي و الإسلامي و الغربي لصالح قضيتها العادلة، وتزايد طيلة الحرب عدد المقاومين في العالم، وأعادت المقاومة القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر، بعدما كان يظن الرأي العام العالمي أن مسار التسوية خيار لا رجعة فيه.

الدرس الثاني: المقاومة تكسب الرأي العام العالمي

- خسر الكيان الصهيوني الرأي العام العالمي بسبب الجرائم التي ارتكبها في حق المدنيين العزل و تدميره للمساجد و الكنائس و المستشفيات و مراكز الأنروا وكل ما كان يتحرك على أرض غزة.

- اكتشف العالم الوجه الحقيقي لإسرائيل بأنها لا تريد سلاما وأكدت الأحداث بأن إسرائيل ليست دولة عادية بل هي كيان إرهابي عنصري، يتصرف كيف يشاء ضاربا عرض الحائط كل قرارات مجلس الأمن وكل المعاهدات والاتفاقيات الدولية و كأن هذا الكيان إمبراطورية يحكم العالم. مما أدى ببعض البلدان التي كانت لها علاقات ديبلومسية بالكيان الصهيوني إلى قطعها مثل "فنزويلا " و "بوليفيا" أو إلى تجميدها كـ"قطر" و"موريتانيا" و البعض الآخر في طريقه إلى الانسحاب من كل الهيئات التي يتواجد فيها الكيان الصهيوني، و تعتبر هذه ضربة قاسية للكيان الصهيوني الذي عمل طيلة احتلاله لفلسطين على تطبيع علاقته مع الدول العربية و الإسلامية، خاصة منذ انطلاق مسار التسوية و المفاوضات كخيار لحل النزاع ، بداية باتفاقيات "كامب دفيد" مع مصر مرورا باتفاقيات "وادي عربة" مع الأردن و اتفاقيات "أوسلو" مع السلطة الفلسطينية إلى غاية " المبادرة العربية للسلام" في لبنان.

كل هذا المسار أصبح في مهب الريح خصوصا بعد العدوان الصهيوني البربري على غزة المقاومة، التي كشفت مرة آخرة بأن هذا الكيان لا يفهم إلا لغة القوة والسلاح والصمود من أجل استرجاع الأراضي المغتصبة.

إن الشعب الفلسطيني ومن ورائه الجماهير العربية و الإسلامية مصممة على نهج المقاومة و إتباع النضال المشروع من خلال الكفاح المسلح لتحرير أراضيه واسترجاع حقوقه المسلوبة، الحرب على غزة سلبت كل الأوراق من أيادي الأنظمة العربية و الإسلامية التي كانت تتوهم بأنه من الممكن أن تسترجع أرض فلسطين التي أخذت بالقوة عن طريق المفاوضات و مسار التسوية و كما يقول المثل " ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة" " و ما ضاع حق ورائه طالب"

و هذا شأن كل الشعوب التي استعمرت " كالجزائر" التي قدمت التضحيات الجسام في سبيل استعادة الاستقلال، أكثر من " مليون و نصف مليون من الشهداء"، و"الفيتنام" و"جنوب إفريقيا".

استطاع معسكر المقاومة بقيادة "حماس" أن يصمد في معركة غير متكافئة من حيث السلاح و موازين القوى التي كانت جلها تصب لمصلحة الكيان الصهيوني، و أثبتت فصائل المقاومة مرة أخرى بأن المستضعف لا يملك السلاح لكنه بالمقابل يملك الإرادة و العزيمة من أجل تحقيق النصر، و عدم الرضوخ و الاستسلام لشروط المحتل.

من جهة أخرى الأنظمة العربية التي راهنت على خيار السلام مع "إسرائيل" لم يعد لديها ما تقدمه للأمة، لأنها لا تريد الحرب و هي عاجزة أيضا عن تحقيق مشروع السلام.

المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة أفرزتها الحرب على غزة، و هي بروز فريقين لا ثالث لهما، الأول مقاوم وهي الدول التي شاركت في مؤتمر الدوحة، رغم أنها أتت متأخرة إلا أنها استطاعت أن تنقد الموقف بالنسبة للأنظمة العربية و الإسلامية الرسمية و تحفظ ماء الوجه، كما كانت لهذه القمة الشجاعة لدعوة فصائل المقاومة وإعطائها الفرصة ولأول مرة أن تسمع صوتها في محفل رسمي، كما إن بيانها الختامي تبنى مواقف و شروط المقاومة.

والفريق الثاني مستسلم لشروط الكيان الصهيوني و شروط الرباعية و هي الدول التي تواطأت بطريقة مباشرة مع الكيان الصهيوني في حربه على غزة و كانت مند و أثناء و حتى بعد الحرب تعمل على القضاء على المقاومة و في مقدمتها حركة "حماس" و يتزعم هذا الفريق " السلطة الفلسطينية" بقيادة "محمود عباس" و "النظام المصري" بقيادة "حسني مبارك"و" النظام الأردني" بقيادة " الملك عبد الله" و " النظام السعودي" بقيادة "الملك عبد الله" خادم الحرمين الشريفين.

الدرس الثالث: المصالحة الفلسطينية على أساس المقاومة لا التسوية و المفاوضات

درس غزة أكسب فصائل المقاومة بقيادة حركة "حماس" شرعية النضال في أرض المعركة، بعد أن كانت حركة "حماس" قد كسبت الشرعية الشعبية في انتخابات تشريعية اعترف العدو قبل الصديق بنزهتها.

و بهذا أصبحت حركة "حماس" رقما أساسيا لا يمكن إقصائه أو تجاوزه في حل القضية الفلسطينية، كما أظهرت فصائل المقاومة انسجاما عسكريا و سياسيا وإعلاميا منقطع النظير و هذا طيلة مدة الحرب على غزة، ووقفت فصائل المقاومة صفا واحدا في وجه العدوان الصهيوني، معلنة ً بذلك إجماعا فلسطينيا على خيار المقاومة.

بالمقابل فإن السلطة الفلسطينية بقيادة " محمود عباس" المنتهية عهدته في 09 يناير 2009، أبدت موقفا معاديا من المقاومة في غزة محملة إياها مسؤولية الحرب على غزة، ورأى الجميع ذلك التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة في رام الله وأجهزة الكيان الصهيوني التي راح ضحيتها المجاهد الكبير وزير الداخلية "سعيد صيـّام" رحمه الله، كما منعت أجهزة السلطة الأمنية أي مظاهرات تضامنية مع قطاع غزة، والكل شاهد مناشدة المنظمات الحقوقية التي طالبت من الرئيس "محمود عباس"، كونه المخول قانونيا، برفع دعوة قضائية ضد الكيان الصهيوني لارتكابه جرائم حرب إلا أن هذا الأخير لم يفعل، و الكل كان شاهدا على غياب رئيس السلطة من مؤتمر الدوحة الذي حضرته كل فصائل المقاومة و كأن الأمر لا يعنيه و لا يعني الشعب الفلسطيني، و كان تصريح وزير خارجية قطر عن أسباب غياب رئيس السلطة " محمود عباس"إثر مكالمة هاتفية ليلة انعقاد القمة معتذرا عن عدم الحضور بسبب" ضغوط مورست عليه" و لو شارك في هذا المؤتمر" يكون قد ذبح من الوريد إلى الوريد"

درس غزة أفرز في الصف الفلسطيني فريقين: فريق أجمع على أنه لا خيار لحل القضية الفلسطينية إلا خيار المقاومة و يشمل جميع فصائل المقاومة بقيادة حركة" حماس" و هو خيار الشعب الفلسطيني وكل الجماهير العربية والإسلامية التي خرجت في مسيرات مليونية من محور "طنجة بالمغرب" إلى "جاكرتا بإندونيسيا".

يقابل هذا الإجماع خروج فيصل فلسطيني عن هذا الإجماع ممثلا في السلطة الفلسطينية في" رام الله" بقيادة "محمود عباس"، التي تخندقت في معسكر الاستسلام و مسار التسوية و المفاوضات منذ اتفاق "أوسلو" سنة 1993 وحتى يومنا هذا لم يقدم أي انجاز، على العكس تسير القضية الفلسطينية من سيء إلى أسوأ.

انطلاقا من هذا فإن الساحة الفلسطينية لا تعرف انقسام كما يروج له البعض، بل خروج فيصل فلسطيني ممثلا في سلطة "رام الله " بقيادة " محمود عباس" على إجماع وطني عربي و إسلامي على خيار المقاومة.

إن الوحدة الوطنية الفلسطينية بعد درس غزة لابد أن تكون على أساس المقاومة و الثوابت الوطنية الفلسطينية، و حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وحق العودة المهجرين وأن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، و رفض أي قوات دولية على حدود قطاع غزة، أو أي اتفاق أمني يتم بموجبه حظر السلاح على المقاومة الفلسطينية، لا على أساس التسوية و المفاوضات و مزيد من التنازلات لصالح المغتصب الصهيوني.

إن المقاومة الفلسطينية اليوم تدرك تمام الإدراك بأنها أصبحت أمل الأمة الإسلامية والعربية ورأس حربتها في مواجهة الاحتلال الصهيوني الجاثم على صدر الأمة منذ وعد" بلفور" المشئوم، و أكبر دليل على ذلك، تلك المسيرات المليونية التي خرجت إلى الشارع منذ بداية الحرب على غزة رغم القمع الذي وجهت به من طرف بعض الأنظمة العربية والإسلامية.

وبعد أن تم إنجاز المقاومة لشرطي وقف العدوان و سحب قوات الاحتلال من قطاع غزة، علينا أن ندرك جميعا بأن المهم لم يتم انجازه والمتمثل في رفع الحصار وفتح المعابر التي تريد بعض الأطراف العربية و الدولية أن تلهنا عنهما بقضايا إعمار قطاع غزة و بعض المعونات الإنسانية ومحاولة بعض المرجفين من أفراد السلطة الفلسطينية التشكيك في انجازات المقاومة و محاولة ركوب الموجة و سرقة الانتصار، و لذلك من واجب الشارع العربي و الإسلامي أن يبقى في مستوى ذلك التجنيد الذي ظهر به طيلة فترة العدوان، إلى غاية رفع الحصار و فتح المعابر، عندئذ يمكننا أن نقول بأننا أتممنا الانتصار، أما والحصار قائم والمعابر لم تفتح فالحرب لازلت قائمة على أهلنا في غزة.

ليست هناك تعليقات: