الفصل التمهيدي:
مند ظهر الإسلام و دخلت الأمة في دين الله أفواجا، و اعتنقت الإسلام عقيدة و شريعة، و أمنت برسولها و سارت على سنته و منهجه، صبغ الإسلام حياة الشعوب المؤمنة، بصبغته و وجه كافة أوجه نشاطها بتعاليمه، و بات المصدران الأساسيان لدين الإسلام، و هما القرآن و السنة المطهرة التي هي التفسير النظري و التطبيقي العملي للقرآن الكريم، المرجع الوحيد لكل ما يتعلق بتنظيم حياة الفرد المسلم و العائلة المسلمة و المجتمع المسلم و الدولة المسلمة، و لجميع الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية و التعليمية و التربوية و أيضا النظام التشريعي و القضائي، و كانت العقيدة و الشريعة يهيمنان على كل من الحاكم و المحكوم وعلى الفرد و المجتمع، و كانت لهما السيادة العليا، فلا يملك حاكم و لا محكوم أن يغير مما احتوتاه شيئا.
و باعتبار أن الشريعة الإسلامية جاءت من عند الله تبارك و تعالى، فإن القضاة كانوا يطبقون أحكامها من غير حاجة إلى موافقة الحكام و ينفذون أوامرها دون الرجوع إلى أصحاب السلطان، و لأن قسما غير قليل من أحكام الشريعة عبارة عن قواعد و أسس عامة فإن القضاة كانوا يجتهدون لاستنباط الحكم الفرعي الفردي دون الحاجة لاستصدار قوانين من الحاكم، و تكون من هذا الاجتهاد و من اجتهاد أعداد من العلماء ( كرسوا حياتهم و دراستهم في تفسير القرآن و السنة و ما تضمنتاه من أحكام) ثروة فكرية هي التي سميت بالفقه الإسلامي، و بالضرورة و بحكم اختلاف الطبائع و الثقافات نشأت مدارس و مذاهب متعددة لكل منها أسلوبه في تفسير النصوص و طريقة استخلاص الأحكام و القواعد منها، ثم كيفية التطبيق و القياس على النصوص عند عدم وجود نص في ذات المسألة محل البحث، و التزام أكثر هذه المدارس و المذاهب بالأصول و القواعد السياسية التي وردت في النصوص الشرعية ( القرآن و السنة) فبعدت عن الشذوذ و الغلو خاصة مذاهب ذلك الفريق الذي يسمى بأهل السنة، و بالتالي انحصر خلاف تلك المذاهب و المدارس في الفروع دون الأصول و الأساسيات، و في بعض التطبيقات فقط،، و بالتالي عاشت هذه المدارس و المذاهب معا، خاصة في عصر الازدهار الثقافي, في وئام، و في نطاق أن الإسلام يشملهم جميعا حيث إن من القواعد المقررة في النصوص المتفق عليها بين أصحاب هذه المدارس و المذاهب أنه لا يرتد المسلم عن دين الإسلام برأي أو تأويل للنصوص ما لم يجحد و ينكر نصا قطعي الثبوت و الدلالة و إلا إذا كان التأويل و التفسير على نحو ترفضه بتاتا قواعد اللغة العربية التي هي لغة القرآن و السنة، و ظلت الأمة تحكم بالإسلام و تسير على تعاليمه دستورا و قانونا و عادة زهاء ألف و مائتي عام ( 1200 عام) إلى أن جاء الاستعمار الذي عرف أن قوة الأمة في إسلامها، فغير ذلك و أدخل على المسلمين ما أراد.
الغزو الأجنبي المسيحي للدول الإسلامية و إلغاء الهوية:
و كان من أول ما وقع نتيجة له استبعاد الشريعة الإسلامية من أن تكون الدستور و القانون الحاكم للدولة، و أساس نظام المجتمع، فبالنسبة لمصر مثلا تم الغزو الاستعماري في سبتمبر 1882، و في يوليو 1883 أي قبل أن يمر عام أنشئت المحاكم الأهلية، و كان أغلب قضاتها من غير المصريين و ترجمت قوانين فرنسية ترجمة تكاد تكون حرفية و أصبحت هي السائدة و المعمول بها في المواد المدنية و التجارية و في القانون الجنائي و لم يبق للمحاكم الشرعية الإسلامية من الاختصاص إلا في منازعات الأحوال الشخصية ( الزواج و الطلاق و ما يتعلق بذلك من ثبوت الأنساب و المهور و النفقات).
كما تغيير النظام الاقتصادي الإسلامي السائد إلى نظام البنوك الربوية مع أن الفائدة الربوية محرمة تحريما شديدا في شريعة الإسلام.
و في النظام التعليمي استحدثت مدارس تعنى بالعلوم الكونية بصورة بدائية لا تسمح إلا بتخريج موظفين محدودي الذكاء و الثقافة، و لا تعطي سواء فرصة هامشية لتعليم النشء أحكام عقيدته و دينه.
و في النظام الاجتماعي أبيحت الخمور و البغاء و ألعاب القمار و غير ذلك مما هو محرم في دين الإسلام.
المستعمرون و النفاق العلماني:
و لأن للعلمانية نظاما، و للإسلام نظاما، فهما لا يتفقان في أكثر من وجه، و لما كان مصدر مشروعية أي نظام هو القبول العام، و كان أغلب الشعب العربي مسلمين، فإن قبولهم نظام العلمانية لا يتحقق بدون إكراه ، إلا بالإبقاء على الإسلام دينا " لله" و استبعاده نظاما للحياة في الوطن الذي هو" للجميع" لتخلو الحياة العربية لنظام لا يتفق في أكثر من وجه مع الإسلام نظاما، و هذا هو النفاق طبقا لمعايير الصدق و الكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم.
نضرب مثلا من مصر:
و لسنا نريد أن نذكر أحدا بقائد حملة الاحتلال الفرنسي عام
و قانون نابليون يعرف الحق، إقرارا به ( الحق في الحرية، الحق في المساواة، الحق في التملك... إلخ) سواء توفر لصاحبه مضمون الحق فعليا أم لا. و النظام الإسلامي لا يعرف الحق إلا على مضمون عيني يمارسه صاحبه فعلا. و قانون نابليون يطلق تملك الأرض بدون حدود، و النظام الإسلامي يقصر ملكية الأرض على الانتفاع دون الرقبة، و قانون نابليون يطلق حرية استعمال الحقوق دون قيود و لو أتلفها الاستعمال، و أما استعمال الحقوق في النظام الإسلامي فمحدود بصالح المجتمع. و قانون نابليون يحمل مرتكب الفعل الضار ( الفاعل المباشر) و حده مسئولية تعويض المضرور، و النظام الإسلامي يزيد فيحمل المتسبب في الضرر ( الفاعل غير المباشر) مسئولية التعويض ( الضمان) مع الفاعل المباشر، و في بعض الحالات، دونه. و قانون نابليون" لا يحمي المغفلين" و النظام الإسلامي يحمي ذا الغفلة أو ضحية الغش و التدليس... ثم إن قانون نابليون يحل "الربا" و الإسلام يحرمه تحريما قطعيا، كما حرمته كل الأديان.
كان الربا محرما "عقلا" مند أن قال أرسطو إن النقود لا تلد، ثم حرم "قبليا" مند أن حرمه اليهود فيما بينهم و أجازوه في إقراض غيرهم اتساقا مع القاعدة القبلية الجاهلية اليهودية: عداء الغير بدون حد أو قيد. ثم عاد محرما في المسيحية و بقي كذلك إلى منتصف القرن الثالث عشر، حين تحول البابا " إنوسنت الرابع" إلى منظم جيوش و قائد حروب لا تنقطع ضد الإمبراطور " فريدريك الثاني"، الذي نفاه من روما ، فلجأ إلى ليون، فأفلست الكنيسة. لجأ الباب إلى التجار "الشطار" مستدينا ديونا فادحة في مقابل فتوى بإباحة الربا فأفتى بالتفرقة بين ما إذا كان الإقراض بفائدة من أجل الاستهلاك الشخصي وبين ما إذا كان "لتمويل" عمليات تجارية أو صناعية (استثمار". فحرم الأولى و أحل الثانية ( ريجين برنود أصول البورجوازية)، و جاء دروز " تاريخ نهضة المذاهب السياسية". و لقد جاءت حركة التنوير و النهضة و العلمانية بعد ذلك فاستغنت عن الكنيسة و كل ما صدر عنها إلا هذه الفتوى، فهي ما تزال عندها مقدسة فهي على وجه جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الأساس فيه، و ما يزال المنافقون في الأقطار العربية يرفعون على دولهم راية الإسلام، و يدسون في دساتيرهم أن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، أو ما شاؤوا من صيغ يصوغونها "رئاء الناس" ثم يبيحون الربا و يرددون فتوى البابا "انوسنت الرابع".
و إزاء هذا التعارض بين قانون نابليون و النظام الإسلامي احتال المستعمرون على الشعب العربي المسلم بأن تركوا له نظامه الإسلامي في "الأحوال الشخصية" مع أن قانون نابليون ينظم الأحوال الشخصية أيضا. و هكذا عرف الشعب العربي المسلم لأول مرة في تاريخه الطويل مند الفتح العربي ازدواج السلطة القضائية حين عرف القضاء "الأهلي" و القضاء "الشرعي".
أما في مجال الجرائم و العقوبات فقد كان النفاق أكثر فجرا. أراد المستعمرون أن يوهموا الشعب بأن قانون العقوبات الذي استعاره من نابليون يمثل إرادة "ولي الأمر" الشرعي، فيما هو مباح له شرعا من تحديد عقوبات "التعذير" على ما يقول بعض المجتهدين. فقدموا قانونهم إلى الشعب في مصر بما جاء في المادة الأولى من قانون الإصدار. تقول المادة: " من خصائص الحكومة ان تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية، و كذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة المباشرة، و بناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعا تقريرها و هذا بدون إحلال بأي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الإسلامية" و يعلق الدكتور السعيد مصطفى السعيد فيقول : إنهم كانوا " يخشون الفشل في تطبيق القانون الجديد لاختلاف ظروف المجتمع المصري في ذلك العهد عن المجتمع الأوروبي اختلافا كبيرا، و لأنه حل محل قوانين ترجع في أساسها لحد كبير إلى أحكام الشريعة الإسلامية مما دعا الشارع إلى أن يبرر إصداره في المادة الأولى". (شرح قانون العقوبات) و هكذا أصبح الزنا مباحا، و الخمر مباحا، و الميسر مباحا، و الكذب مباحا... في مجتمع أغلبيته من المسلمين، بالرغم من أنها محرمات عليهم في النظام الإسلامي.
فلنتأمل و ليتأمل معنا من يريد :
العلمانية الثائرة ضد استبداد الكنيسة بتنظيم العلاقات بين الناس، التي اتخذت من قبول الناس مصدرا لمشروعية أي نظام، التي ألغت ازدواجية السلطة، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعبا و أرضا، و فرضت علينا نظمها فرضا، و خلقت الازدواجية في السلطة فنقضت مبادئها نقضا، فلماذا؟ لأن العلمانية ليست مع الدين أو ضد الدين بل هي بوابة نظام فردي (ليبرالي) ربوي (رأسمالي). و ما كان يهم العلمانيين، و لا يهمهم الآن، أن نؤمن جميعا أو نكفر جميعا، أن نبني المساجد و الكنائس أو نهدمها، أن تتعدد الزوجات أو لا تتعدد، أن تكبر العمائم أو تصغر، أن يشيع الفسق أو تشيع التقوى، أن يتحجب النساء أو يسفرن ... إلخ.
ما دام الإسلام كنظام للحياة قد استبعد، فأفسح مكانا لنظامهم، كفاهم عن كل حلال و حرام في كل دين أن أباحوا الربا و جعلوه نظاما فرضوه. و لقد بدأوا فحددوا لما أ سموه "الفائدة" سعرا عاليا، و أجازوا استحقاق فوائد على الفوائد و لو تجاوزت أصل رأس المال. و لكن هذا لم يكفهم فاستصدروا قرارا في 24 ديسمبر 1900م " أمرا عاليا" باستثناء "البيوتات المالية المشتغلة بتسليف النقد على رهونات (البنوك) من قيد الحد الأقصى للفائدة، فارتهنوا مصرا أرضا و أذلوها شعبا، و هم يبذرون فيها بذور العلمانية، و يستنبتون من أبنائها علمانيين، و لما كان من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت، كان لابد لكي يقبل الناس نظامهم، من إقناعهم بان الإسلام دين "الله" و ليس نظاما للحياة في" الوطن" و ذلك عن طريق دعوة فكرية يقوم بها "دعاة" من العرب و المسلمين الذين أعتاد عامة المسلمين أن يستمعوا إليهم، و يخدعون بهم، و قد وجدوا للأسف كثيرا من المثقفين و بعضا من علماء منتسبين إلى الدين... و لكن هيهات أن يخدع الشعب (1)(أنظر في ذلك عن العروبة و الإسلام لعصمت يوسف الدولة ص240 و ما بعدها) المسلم أن يستغفل عن دينه و هويته، و إن غدا لناظره قريب.
