9‏/1‏/2009

قراءة في تفاعل الحركة الإسلامية في الجزائر مع الحرب على غزة

فلسطين التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس في سنة 1938 " كل مسلم مسِِؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يرى هناك من أرواح تزهق، و صغار تيتم، و نساء ترمل و أموال تهتك و ديار تخرب و حرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة المكرمة".

و ما جعل الشيخ البشير الإبراهيمي بعده يقول : " إن فلسطين وديعة محمد (صلى الله عليه و سلم) عندنا و أمانة عمر (رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخدها اليهود منا و نحن عصبة إنا إذا لخاسرون"

هذان التصريحان يعبران عن البعد العقائدي للقضية الفلسطينية لدى الجزائريين، لأن فلسطين يوجد بها بيت " المقدس" أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" حيث صعد إلى سدرت المنتهى ليصلي إثر عودته بالأنبياء والرسل معلنا قيادته للأمة الإسلامية، و الجزائريين قيادة و شعبا جزء لا يتجزأ من هذه الأمة فلا يمكنهم التفريط في أرض فلسطين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كيف لا والمجاهدين الجزائريين أعطوا الأولوية للجهاد في أرض فلسطين وهم تحت نير الإستدمار الصليبي الفرنسي الذي يشبه الاحتلال الإستيطاني الصهيوني الذي يقوم في هذه الأيام بحرب لا أخلاقية، حرب إبادة ضد إخواننا العزل في غزة المحاصرين مند ما يقارب السنتين، تحت مرأى المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا مبديا بذلك تأييده للجرائم التي يقوم بها الكيان الصهيوني، و بتواطؤ من الأنظمة العربية، ذنب الفلسطينيين الوحيد أنهم اختاروا ديمقراطيا " حركة المقاومة حماس" في انتخابات شفافة و نزيهة أعترف بها العدو قبل الصديق، و كما يعرف الجميع إن مشروع " حماس" هو مقاومة الاحتلال الصهيوني إلى غاية تحرير فلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس،و الذي يقابله مشروع السلام أو بمعنى أدق الاستسلام الذي تتبناه السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس.

إعلان الحرب على غزة جاء بعد أن رفضت فصائل المقاومة و على رأسهم "حماس" تجديد اتفاق التهدئة الذي ثم بين الكيان الصهيوني و فصائل المقاومة لمدة "06 " ستة أشهر، التزمت به كل الفصائل و خرقه الكيان الصهيوني لما رفض رفع الحصار و فتح المعابر وعلى رأسهم معبر رفح الذي يعتبر الرئة التي يتنفس منها قطاع غزة نحو العالم الخارجي.

و أنا أتابع تفاعل الشارع العربي و الإسلامي و الجزائري على الخصوص لما يجري من جرائم و حشية على شعبنا الأعزل في غزة، وما مدى قدرة الحركات الإسلامية و خاصة تلك التي تبنت القضية الفلسطينية كقضية مركزية على تجنيد و تحريك الجماهير من أجل الضغط على الأنظمة الرسمية لتبني مطالب المقاومة المعلن عنها من طرف القيادة السياسية لحركة "حماس" على لسان السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي و الأستاذ هنية رئيس الحكومة الفلسطينية و هما :

1) وقف العدوان الصهيوني فورا على غزة دون قيد أو شرط

2) رفع الحصار وفتح المعابر وعلى رأسهم معبر رفح دون قيد أو شرط

إذا كانت الحركة الإسلامية في مصر والأردن و المغرب، و لبنان وتركيا، وباكستان، واندونيسيا ، والهند قد تمكنت و بامتياز أن تجند الجماهير و تعبئهم للخروج إلى الشارع تضامنا مع إخوانهم في غزة، فإن الحركة الإسلامية في الجزائر قد فشلت في ذلك فشلا ذريعا واكتفت ببعض الوقفات أمام مقراتها، و بعض التجمعات داخل القاعات و حتى هذه الوقفات لم تجلب إليها الجماهير كما كانت في سلف عهدها أيام المرحوم " الشيخ محفوظ نحناح" رحمه الله، و حتى المواقف المعلنة لم ترقى إلى مستوى المطالب التي رفعتها قيادة المقاومة في فلسطين، لأن أولويات المقاومة في غزة ليست الوسائل المادية من دواء، و أفرشة، و مستشفيات متنقلة... الخ وإن كانت مطلوبة، بل أولوية الأولويات هو الضغط على الأنظمة السياسية من أجل إصدار قرار سياسي يحقق المطلبان المذكوران أعلاه.

و للأسف الشديد أصبحت قيادات الحركة الإسلامية الفاعلة في الجزائر، المشاركة في التحالف الرئاسي، و في الحكومة بعدة حقائب وزارية، و ممثلين في البرلمان، تكتفي بالتنديدات و الشجب و بعض الكلمات لنصرة غزة، وأنا أكتب هذا المقال تذكرت موقف الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكان عائدا لتوه من الخارج حيث كان يتلقى العلاج و لا يستطيع الوقوف على رجليه، و الحظر على المسيرات سري المفعول في العاصمة أبى إلا أن يسجل وقفة في ساحة أول ماي تضامنا مع إخوانه في فلسطين، و شاركت بعض الفعاليات السياسية و الوطنية و بعض الأحزاب و من بين هذه الأحزاب حزب السيدة لويزة حنون، رحمة الله عليك أيها الشيخ الرئيس "محفوظ نحناح" لقد كنت فعلا قائدا نبراسا تحمل قضايا الأمة و على رأسها قضية فلسطين، وتعرف كيف تجند حتى خصومك السياسيين لنصرتها، كنت و أنت تتفاوض مع رموز السلطة تتنازل على كثير من المناصب و الوزارات و تقايضها بمكاسب لصالح القضية الفلسطينية

أصبحت الحركة تتعامل مع القضية الفلسطينية كرد فعل لا كفعل، لقد غابت القضية عن قاموس الحركة و برامجها الميدانية مند أن رحل الشيخ الرئيس "محفوظ نحناح" رحمه الله، و لا تكاد تذكر إلا لما يقوم الكيان الصهيوني بالاعتداء على رموزها، للشجب و التنديد أو الاستنكار ثم تكتفي بوقفة أمام المقر المركزي و في بعض القاعات و بمجرد أن يزول الحدث يقفل الدرج عن القضية الفلسطينية إلى أن يطرأ طارئا، بينما كان من الواجب على الحركة التي حملت عند تأسيسها اسم " حماس" تبركا بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن تكون القضية الفلسطينية نصب أعينها لا تغفل أو تتغافل عنها طرفة عين أو لحطة زمن، لأننا بدون تحرير فلسطين لن تقوم لنا قائمة و لا يحسب لنا حساب، و لأن معركة فلسطين هي معركة وجود لا حدود، و ما يجري الآن في غزة ليست كما يريد أن يصورها لنا العدو الصهيوني و من حالفه بأنها ضد حركة المقاومة "حماس" كفيصل من فصائل المقاومة بل ضد ما تحمله كمشروع مقاوم للاحتلال الصهيوني الصليبي الذي جثم على قلب الأمة الإسلامية مند 1948، و ما تقوم به حماس هي معركة باسم الأمة الإسلامية،هي فعلا معركة الفرقان كما سماها رئيس الحكومة " هنية" تفرق بين الحق و الباطل.

ما فائدة وجود الحركة في التحالف الرئاسي، و في مناصب حكومية ووزارات بحقيبة و بدون حقيبة، و بمقاعد في البرلمان،والقرب من صناع القرار أليس من أجل توظيفها لصالح قضيتنا المركزية " فلسطين الحبيبة"، أليس من أجل حماية ظهر المقاومة الفلسطينية، و إحساسهم بأن لهم إخوان في الجزائر يألمون لألمهم، يسندونهم أيام الشدة و الأوقات الصعبة.

تبا لهذه الوزارات و التحالفات و المقاعد البرلمانية التي لا تمكننا حتى من تنظيم مسيرات سلمية في المدن الجزائرية لنصرة إخواننا و التعبير عن غضبنا مما يحدث لهم من مجازر وإبادة جماعية وهو أدنى شيء، بينما استطاعت مجموعة من أبناء مساجد الجزائر العاصمة و بطريقة عفوية تنظيم مسيرات لنصرة إخوانهم في غزة كسرت بها الحضر المفروض على الجزائر العاصمة لأول مرة مند 2001.

إن القضية الفلسطينية تعتبر المقياس الحقيقي الذي تقيس به الحركة عمقها في الشارع و ما مدى تعبيرها عن ضمير

شعبها، و حذار ثم حذار من محاولات الزج بالقضية الفلسطينية في بعض المزايدات السياسوية و كسب بعض المغانم الدنيوية على حساب قضيتنا المركزية لأنها وديعة محمد "صلى الله عليه و سلم" عندنا وأمانة عمر ( رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا.

لا سبيل أمام المقاومة إلا المقاومة


المبادرة التي أطلق عليها زورا بالمبادرة المصرية الفرنسية، ما هي إلا جزء من المخطط الإسرائيلوأمريكي بتواطؤ الأنظمة العربية و المجتمع الدولي للقضاء على مشروع المقاومة الفلسطينية و اقتلاعه من جذوره و في مهده من خلال الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على رموزه في غزة، و تكريس المشروع الاستسلامي القابل لمشروع التسوية وفق الشروط الإسرائيلوأمريكية و الذي يسوق إعلاميا تحت مسمى محور الاعتدال بقيادة النظام المصري و السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس و الأردن والمملكة السعودية.

كل المؤشرات تدل على أن المخطط أعد له مسبقا، على أن يتم تنفيذه وفق مراحل لإجبار المقاومة على رفع الراية البيضاء و الدخول في الصف و القبول بمشروع التسوية، والمرحلة الأولى من هذا المخطط تمثلت في:

- الحصار المفروض من طرف الكيان الصهيوني على قطاع غزة مند سنتين عقابا للشعب الفلسطيني على اختياره الديمقراطي باعتراف العدو قبل الصديق بنزاهة الانتخابات

- شق الصف الفلسطيني بعدما تمكنت القوى الفلسطينية من إقامة حكومة وحدة وطنية

- إفشال كل مبادرات الصلح بين حركتي فتح و حماس

- خرق التهدئة من طرف الكيان الصهيوني بعدم احترام أحد بنودها الأساسية و المتمثل في رفع الحصار و فتح المعابر و من بينهم معبر رفح

و عندما رفضت فصائل المقاومة تجديد التهدئة دون أن يتم رفع الحصار و فتح المعبر، كانت المرحلة الثانية للمخطط جاهزة للتنفيذ و المتمثلة في:

- الحرب على قطاع غزة تحت غطاء القضاء على فصائل المقاومة و في مقدمتهم حركة المقاومة "حماس"، حرب لا أخلاقية همجية حرب إبادة، استعمل فيها الكيان الصهيوني كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا مستهدفا الأطفال و النساء و المدنيين العزل

- القيام بحرب نفسية على سكان قطاع غزة و محاولة تأليبهم على رجال المقاومة و قيادتها، بتحميل حركة المقاومة "حماس" كل ما يجري لسكان القطاع من إبادة جماعية و دون تميز و ساهم في هذه الحرب النفسية بعض الأنظمة العربية وأخص بالذكر النظام المصري على لسان وزير خارجيته الذي قال : " إننا حذرنا طرف من أطراف الحوار مما قد يحدث إن هم استمروا في رفض التهدئة" والطرف المقصود هنا هي "حماس" التي رفضت تجديد التهدئة بشروط الكيان الصهيوني" و السلطة الفلسطينية على لسان ياسر عبد رب و مستشار الرئيس محمود عباس حينما حملا صراحة حركة المقاومة "حماس" مسؤولية الحرب على غزة، و ساهمت في هذه الحرب النفسية أطراف أوروبية منها فرنسا التي حمل رئيسها " نيكولا ساركوزي" حركة المقاومة "حماس" بأنها "هي من جلبت الدمار على قطاع غزة عندما خرقت التهدئة و قامت بإطلاق الصواريخ على إسرائيل و هذه الأخيرة لها الحق بان تدافع عن نفسها"، و كذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي أبى إلا أن تكون أواخر أيامه في البيت الأبيض على وقع الجرائم عندما صرح هو الأخر بأن "ما تفعله إسرائيل في غزة هو دفاع على نفسها و عن أمن مواطنيها"

و بعد مرور 12 عشر يوما من الحرب على قطاع غزة، حيث فشل الكيان الصهيوني في تحقيق أهدافه العسكرية ، بل أكثر من ذلك كبدته فصائل المقاومة الباسلة، خسائر مادية و بشرية كبيرة تكتمت عليها الجهات العسكرية و الحكومية لدى الكيان الصهيوني و كشفت عنها الصحافة الإسرائيلية معترفة بخروج المقاومة منتصرة من هذه المعركة بدليل أن صواريخ المقاومة لم تتوقف، و البنية التحتية لحركة المقاومة "حماس" لزالت قائمة

ها هي المرحلة الثالثة من المخطط تدخل حيز التنفيذ تحت مسمى "المبادرة المصرية الفرنسية"، و التي يريد من ورائها الكيان الصهيوني أن يحقق بالطرق السلمية ما لم يستطيع تحقيقه بالطرق العسكرية، مضمون المبادرة ينص على ما يلي:

- وقف إطلاق النار مؤقتا

- نشر قوات دولية على مشارف قطاع غزة

- رفع الحصار دون فتح المعابر

و المحلل لبنود هذه المبادرة يشتم منها رائحة التحيز لطرف الكيان الصهيوني، لأنها سوت بين الجاني و المجني عليه عندما طلبت في بندها الأول بوقف إطلاق النار، بينما العالم كله يشهد بان هذا عدوان على شعب أعزل، أما مسألة نشر قوات دولية على مشارف قطاع غزة فهو يخدم بضرورة الكيان الصهيوني و ما تجربة نشرها في لبنان عنا ببعيد، فيما يخص البند الثالث المتمثل في رفح الحصار دون فتح المعابر فما هي جذوته إذا لم تفتح المعابر.

لا يمكن للمقاومة التي خرجت منتصرة و أكثر قوة مما كانت عليه قبل بداية العدوان، و جندت كل الجماهير العربية و الإسلامية و الأحرار في العالم، و فقدت إلى حد كتابة هذه السطور 700 شهيد و أزيد من 3000 جريح دون ذكر الخسائر المادية، أن تقبل بمبادرة لا تحمل في أسسها الأهداف التي أعلنت عليها المقاومة قبل و بعد انطلاق العدوان على قطاع غزة و المتمثلة فيما يلي:

- و قف العدوان و سحب القوات إلى ما كانت عليه الأمور قبل بداية الحرب على قطاع غزة

- رفع الحصار دون قيد أو شرط

- فتح المعابر و من بينهم معبر رفح دون قيد أو شرط

و على المقاومة أن لا تقتصر جهودها على هذه المبادرة التي في رأي تخدم الكيان الصهيوني و تحقق له مكاسب لم يستطيع تحقيقها في ميدان المعركة، و المبادرة التركية هي أقرب في رأي لتحقيق مطالب المقاومة حيث إن الرئيس التركي الطيب رجب أردوغان كان أول من تحرك فور بداية العدوان على قطاع غزة و موقفه كان جريئا عندما حمل الكيان الصهيوني مسؤولية ما يقع في قطاع غزة.

المسيرة المليونية في الجزائر العاصمة