فلسطين التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس في سنة 1938 " كل مسلم مسِِؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يرى هناك من أرواح تزهق، و صغار تيتم، و نساء ترمل و أموال تهتك و ديار تخرب و حرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة المكرمة".
و ما جعل الشيخ البشير الإبراهيمي بعده يقول : " إن فلسطين وديعة محمد (صلى الله عليه و سلم) عندنا و أمانة عمر (رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخدها اليهود منا و نحن عصبة إنا إذا لخاسرون"
هذان التصريحان يعبران عن البعد العقائدي للقضية الفلسطينية لدى الجزائريين، لأن فلسطين يوجد بها بيت " المقدس" أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" حيث صعد إلى سدرت المنتهى ليصلي إثر عودته بالأنبياء والرسل معلنا قيادته للأمة الإسلامية، و الجزائريين قيادة و شعبا جزء لا يتجزأ من هذه الأمة فلا يمكنهم التفريط في أرض فلسطين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كيف لا والمجاهدين الجزائريين أعطوا الأولوية للجهاد في أرض فلسطين وهم تحت نير الإستدمار الصليبي الفرنسي الذي يشبه الاحتلال الإستيطاني الصهيوني الذي يقوم في هذه الأيام بحرب لا أخلاقية، حرب إبادة ضد إخواننا العزل في غزة المحاصرين مند ما يقارب السنتين، تحت مرأى المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا مبديا بذلك تأييده للجرائم التي يقوم بها الكيان الصهيوني، و بتواطؤ من الأنظمة العربية، ذنب الفلسطينيين الوحيد أنهم اختاروا ديمقراطيا " حركة المقاومة حماس" في انتخابات شفافة و نزيهة أعترف بها العدو قبل الصديق، و كما يعرف الجميع إن مشروع " حماس" هو مقاومة الاحتلال الصهيوني إلى غاية تحرير فلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس،و الذي يقابله مشروع السلام أو بمعنى أدق الاستسلام الذي تتبناه السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس.
إعلان الحرب على غزة جاء بعد أن رفضت فصائل المقاومة و على رأسهم "حماس" تجديد اتفاق التهدئة الذي ثم بين الكيان الصهيوني و فصائل المقاومة لمدة "06 " ستة أشهر، التزمت به كل الفصائل و خرقه الكيان الصهيوني لما رفض رفع الحصار و فتح المعابر وعلى رأسهم معبر رفح الذي يعتبر الرئة التي يتنفس منها قطاع غزة نحو العالم الخارجي.
و أنا أتابع تفاعل الشارع العربي و الإسلامي و الجزائري على الخصوص لما يجري من جرائم و حشية على شعبنا الأعزل في غزة، وما مدى قدرة الحركات الإسلامية و خاصة تلك التي تبنت القضية الفلسطينية كقضية مركزية على تجنيد و تحريك الجماهير من أجل الضغط على الأنظمة الرسمية لتبني مطالب المقاومة المعلن عنها من طرف القيادة السياسية لحركة "حماس" على لسان السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي و الأستاذ هنية رئيس الحكومة الفلسطينية و هما :
1) وقف العدوان الصهيوني فورا على غزة دون قيد أو شرط
2) رفع الحصار وفتح المعابر وعلى رأسهم معبر رفح دون قيد أو شرط
إذا كانت الحركة الإسلامية في مصر والأردن و المغرب، و لبنان وتركيا، وباكستان، واندونيسيا ، والهند قد تمكنت و بامتياز أن تجند الجماهير و تعبئهم للخروج إلى الشارع تضامنا مع إخوانهم في غزة، فإن الحركة الإسلامية في الجزائر قد فشلت في ذلك فشلا ذريعا واكتفت ببعض الوقفات أمام مقراتها، و بعض التجمعات داخل القاعات و حتى هذه الوقفات لم تجلب إليها الجماهير كما كانت في سلف عهدها أيام المرحوم " الشيخ محفوظ نحناح" رحمه الله، و حتى المواقف المعلنة لم ترقى إلى مستوى المطالب التي رفعتها قيادة المقاومة في فلسطين، لأن أولويات المقاومة في غزة ليست الوسائل المادية من دواء، و أفرشة، و مستشفيات متنقلة... الخ وإن كانت مطلوبة، بل أولوية الأولويات هو الضغط على الأنظمة السياسية من أجل إصدار قرار سياسي يحقق المطلبان المذكوران أعلاه.
و للأسف الشديد أصبحت قيادات الحركة الإسلامية الفاعلة في الجزائر، المشاركة في التحالف الرئاسي، و في الحكومة بعدة حقائب وزارية، و ممثلين في البرلمان، تكتفي بالتنديدات و الشجب و بعض الكلمات لنصرة غزة، وأنا أكتب هذا المقال تذكرت موقف الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، وكان عائدا لتوه من الخارج حيث كان يتلقى العلاج و لا يستطيع الوقوف على رجليه، و الحظر على المسيرات سري المفعول في العاصمة أبى إلا أن يسجل وقفة في ساحة أول ماي تضامنا مع إخوانه في فلسطين، و شاركت بعض الفعاليات السياسية و الوطنية و بعض الأحزاب و من بين هذه الأحزاب حزب السيدة لويزة حنون، رحمة الله عليك أيها الشيخ الرئيس "محفوظ نحناح" لقد كنت فعلا قائدا نبراسا تحمل قضايا الأمة و على رأسها قضية فلسطين، وتعرف كيف تجند حتى خصومك السياسيين لنصرتها، كنت و أنت تتفاوض مع رموز السلطة تتنازل على كثير من المناصب و الوزارات و تقايضها بمكاسب لصالح القضية الفلسطينية
أصبحت الحركة تتعامل مع القضية الفلسطينية كرد فعل لا كفعل، لقد غابت القضية عن قاموس الحركة و برامجها الميدانية مند أن رحل الشيخ الرئيس "محفوظ نحناح" رحمه الله، و لا تكاد تذكر إلا لما يقوم الكيان الصهيوني بالاعتداء على رموزها، للشجب و التنديد أو الاستنكار ثم تكتفي بوقفة أمام المقر المركزي و في بعض القاعات و بمجرد أن يزول الحدث يقفل الدرج عن القضية الفلسطينية إلى أن يطرأ طارئا، بينما كان من الواجب على الحركة التي حملت عند تأسيسها اسم " حماس" تبركا بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن تكون القضية الفلسطينية نصب أعينها لا تغفل أو تتغافل عنها طرفة عين أو لحطة زمن، لأننا بدون تحرير فلسطين لن تقوم لنا قائمة و لا يحسب لنا حساب، و لأن معركة فلسطين هي معركة وجود لا حدود، و ما يجري الآن في غزة ليست كما يريد أن يصورها لنا العدو الصهيوني و من حالفه بأنها ضد حركة المقاومة "حماس" كفيصل من فصائل المقاومة بل ضد ما تحمله كمشروع مقاوم للاحتلال الصهيوني الصليبي الذي جثم على قلب الأمة الإسلامية مند 1948، و ما تقوم به حماس هي معركة باسم الأمة الإسلامية،هي فعلا معركة الفرقان كما سماها رئيس الحكومة " هنية" تفرق بين الحق و الباطل.
ما فائدة وجود الحركة في التحالف الرئاسي، و في مناصب حكومية ووزارات بحقيبة و بدون حقيبة، و بمقاعد في البرلمان،والقرب من صناع القرار أليس من أجل توظيفها لصالح قضيتنا المركزية " فلسطين الحبيبة"، أليس من أجل حماية ظهر المقاومة الفلسطينية، و إحساسهم بأن لهم إخوان في الجزائر يألمون لألمهم، يسندونهم أيام الشدة و الأوقات الصعبة.
تبا لهذه الوزارات و التحالفات و المقاعد البرلمانية التي لا تمكننا حتى من تنظيم مسيرات سلمية في المدن الجزائرية لنصرة إخواننا و التعبير عن غضبنا مما يحدث لهم من مجازر وإبادة جماعية وهو أدنى شيء، بينما استطاعت مجموعة من أبناء مساجد الجزائر العاصمة و بطريقة عفوية تنظيم مسيرات لنصرة إخوانهم في غزة كسرت بها الحضر المفروض على الجزائر العاصمة لأول مرة مند 2001.
إن القضية الفلسطينية تعتبر المقياس الحقيقي الذي تقيس به الحركة عمقها في الشارع و ما مدى تعبيرها عن ضمير
شعبها، و حذار ثم حذار من محاولات الزج بالقضية الفلسطينية في بعض المزايدات السياسوية و كسب بعض المغانم الدنيوية على حساب قضيتنا المركزية لأنها وديعة محمد "صلى الله عليه و سلم" عندنا وأمانة عمر ( رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا.
















