15‏/4‏/2009

شرعية الديمقراطية المغشوشة



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا".

إن المتمعن في نتائج الانتخابات الرئاسية لـ 09 أفريل 2009 يدرك بأنها جاءت كتتويج لسياسة الديمقراطية المغشوشة التي انتهجها النظام عندما انقلب على الشرعية الشعبية في جانفي 1992، والتي على إثرها دخلت الجزائر في دوامة العنف والإرهاب، والتي كانت سببا في اغتيال المرحوم بوضياف،ثم في التزوير الرهيب الذي وقع في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، مرورا بالانتخابات البرلمانية لسنة 1997، لتتحول شرعية الديمقراطية المغشوشة في الانتخابات المحلية لسنة 2002 من التزوير المفضوح إلى التزوير الذكي، وهي نفس السياسة التي سادت أجواء الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 حيث تم إقصاء المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من السباق بدعوى أنه لا يملك شهادة المساهمة في حرب التحرير، وصولا إلى الانقلاب على دستور 1996 في نوفمبر 2008، وتعديل المادة المقيدة للعهدات الرئاسية بعهدتين فاتحة بذلك أبواب الرئاسة أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مدى الحياة.

قراءة سريعة في النسب المعلنة:

إذا كانت نسبة الأصوات 90,24 بالمائة التي على إثرها فاز الرئيس القديم الجديد السيد عبد العزيز بوتفليقة بولاية ثالثة لا يعتبرها الكثير من المتتبعين مفاجئة نظرا لعدم وجود منافسين من الحجم الكبير وللإمكانيات المادية غير المتكافئة التي أظهرت مرشح النظام وكأنه ينافس ظله.

إلا أن نسبة المشاركة المعلنة والمقدرة بـ 74 بالمائة هي التي اعتبرها معظم الجزائريين استخفافا بعقولهم ولا يمكنهم تصديقها أبدا، لأن هذه النسب لا يمكن تحقيقها حتى في الديمقراطيات العريقة ناهيك عن خلو هذه الانتخابات من عناصر المنافسة والتشويق التي تدفع بالمواطن الذهاب إلى صناديق الاقتراع على اعتبار أن الرئيس المترشح عبد العزيز بوتفليقة قد عبّد له طريق للعهدة الثالثة ابتداء من عهدته السابقة سنة 2004، بإزاحة كل من تسول له نفسه أن ينافسه على هذا المنصب ولو كان من أقرب الأقربين وإظهاره على أنه هو من أعاد الحياة إلى الجزائر منذ مجيئه سنة 1999، حتى يخيل لك أن هذه الجزائر اكتشفت في تلك السنة، فضلا عن غلق المجال السياسي والإعلامي بقمع الحريات وعدم السماح بإنشاء أحزاب سياسية، والإبقاء على حالة الطوارئ رغم اعتراف السلطة بتحسن الوضع الأمني وتحقيق المصالحة الوطنية.، وقمع كل محاولة لإنشاء نقابات مستقلة خرقا للدستور الذي يبيح التعددية النقابية والحزبية ، والعمل على تفجير الأحزاب السياسية من الداخل علمانية كانت أم إسلامية، تارة بالتهميش وتكميم الأفواه وتارة أخرى بشراء الذمم بالمناصب والامتيازات المادية وتقريب ذوي الجهة والعشيرة على حساب الكفاءة، وهو حرق للمادة 21 من الدستور التي تنص صراحة على أنه "لا يجوز استعمال السلطة في مؤسسات الدولة كمصدر للثراء ولا وسيلة للمحسوبية والجهوية والإقطاع".

شكك معظم المترشحين في رئاسيات 2009 في هذه النسبة وعلى رأسهم السيدة لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال التي احتلت المرتبة الثانية بنسبة 4,23 بالمائة حيث صرحت في ندوة صحفية "بأن التزوير شامل و التجاوزات في جميع ولايات الجمهورية" مارسه أعوان الإدارة و بأنها رفعت ألاف الطعون إلى المجلس الدستوري ، و قالت بان أعوان الإدارة قاموا بذلك تملقا للرئيس المترشح و فهموا قول بوتفليقة " أريد أغلبية ساحقة على أنه سحق لضمائر الشعب الجزائري" ، و شبهت الوضع " بنفس ما كان يمارس في فترة الحزب الواحد" و رفضت لويزة حنون نسبة 74% التي تخص المشاركة الشعبية و قالت بأنها لا تتجاوز 50 % ، كما لفتت الانتباه إلى أن " التجاوزات التي حصلت أنقصت من مصداقية الرئاسيات ، و جعلتنا نشبه حالة الجزائر يوم الخميس بجمهوريات الموز" .

و صرح من جهته السيد جهيد يونسي الأمين العام لحركة الإصلاح الوطني، الذي أحتل المرتبة الرابعة ب %1,37 من أصوات الناخبين " بان التزوير وقع في كامل ولايات البلاد بلا استثناء و أنه يمتلك عشرة محاضر رسمية تثبت وقوع تجاوزات خطيرة في عدت ولايات البلاد مثل تيباز، الجزائر العاصمة و المسيلة و قسنطينة" و أشار بأن بوادر التزوير لصالح " مرشح النظام" طهرت طهر الخميس عندما شرع في طرد المراقبين و ممثلي المترشحين مستدلا بوقائع ضرب و تعد جسدي على أنصاره و أكد السيد يونسي بأنه يحوز على إثباتات بان الإدارة قامت بملء الصناديق لفائدة مرشح النظام و رفض هو الأخر نسبة المشاركة المعلنة من طرف وزير الداخلية و قال أنها لا تتجاوز 25 % .

أما السيد فوزي رباعين رئيس عهد 54 و الذي جاء في المرتبة الرابعة ب 0,93 بالمائة، فقد قال بان الفوز الكاسح لبوتفليقة يجعل الجزائر ترحب " بالملكية" و يدعو لنقاش حقيقي حول صحة الأرقام المعلن عنها و قال أيضا " الجزائر اليوم تودع مبادئ نوفمبر و ترحب بمملكة بوتفليقة الذي يذكرنا بالزعيم الإفريقي بوكاسا" و قال بشان الملاحظين الدوليين الذين قدموا من الجامعة العربية لمراقبة الانتخابات بنسخة للأنظمة العربية.

من جهته قال السيد عبد الله جاب الله الذي قاطع الانتخابات الرئاسية و اعتبرها " كذبة كبرى يتعاون النظام و أولياؤه من أحزاب و جمعيات و منظمات و إعلام على الترويج لها"، و ردا على سؤال حول نسبة المشاركة القوي قال عبد الله جاب الله أن معطيات استقاها خلال يوم الاقتراع من مناضليه في ولايات كثيرة تؤكد غياب شبه كلي للمواطنين عن مكاتب التصويت ما عدا المكاتب التي كانت مجاورة للثكنات و بعض المكاتب المعزولة التي شهدت بعضا من الإقبال النسبي و قال أن نسبة المشاركة لا يمكن أن تتعد في أحسن الأحوال 20% .

كيف تجري عملية التحضير للانتخابات من وراء حجاب:

لقد اكتسبت الجهات المشرفة على تنظيم الانتخابات احترافية كبيرة في تزويرها زيادة على أن العملية في حد ذاتها جد معقدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الهائل لمراكز التصويت (47000مكتب) الموزعة على مساحة الجزائر إضافة إلى الجالية الجزائرية في أوروبا وأمريكا والشرق الغربي الذي يشمل أكثر من 20مليون ناخب، نجد على رأسها ظاهريا اللجنة الوطنية المكلفة بالانتخابات التي يترأسها الوزير الأول أحمد اويحيى لكن في الواقع هذه اللجنة شكلية مثلها مثل لجنة المراقبة والدليل على ذلك الدور الذي قام به الوزير الأول في الحملة الانتخابية دون التفرغ بتاتا في كيفية ضبط العملية الانتخابية، حيث ترك مهمته لغيره، المهمة يقوم بها جهازي الأمن و الولاة. جهازا الأمن يمثلان النواة الصلبة في المعادلة، فقدرتهما على جمع المعلومات تعطي لهما كل الصلاحيات في ضبط العملية بدقة من بدايتها إلى نهايتها. ثم يأتي دور الولاة الذين يمثلون الدولة الفعلية وفي المرتبة الثالثة رؤساء الدوائر ثم رؤساء البلديات في المرتبة الأخيرة.

ظاهريا إذن الأحزاب تراقب واللجنة تراقب والمواطن يراقب و الموفدون الدوليون يراقبون، لكن الواقع غير ذلك.

نذكر جميعا كيف تمت عملية حشو الصناديق في رئاسيات 1995 وتشريعات 1997 عندما رسم"الرجال الواقفون" كاريكاتير للعملية الانتخابية بحكم القوة التي كانت بين أيديهم .

الوضع لم يتغير كثيرا في الشكل والمضمون، حيث تشرف مصالح الأمن على جميع المراحل دون إهمال أي جانب ليأتي الولاة فيوظفون صلاحيتهم في إبعاد الفضوليين عن الطبخة الانتخابية فيجمعون الأرقام ويحولونها إلى الداخلية ثم يقوم وزير الداخلية بإملاء النتائج، ويعطيها المجلس الدستوري طابعها الرسمي.

وهكذا يقوم المزورون في غرفة محصنة بالاستيلاء على الإرادة الشعبية مع سبق الإسرار و الترصد.

النظام المبني على مبدأ "لا أريكم إلا ما أرى" لا زال قائما:

إن النتائج الرئاسية إن ذلت على شيء فإنها تدل على إن النظام القائم على مبدأ"لا أريكم إلا ما أرى" لازال قائما مند الاستقلال حيث انحرف آنذاك بتضحيات الشعب الجزائري المجاهد الذي واجه الاستعمار الفرنسي وقدم أزيد من مليون ونصف مليون من الشهداء من اجل استرجاع سيادته كاملة غير منقوصة و المعلنة في بيان أول نوفمبر و المتمثل في قيام "جمهورية جزائرية ديمقراطية شعبية على أساس المبادئ الإسلامية" وكرست هذا المبدأ المادة الثانية من الدستور حيث تنص على أن" الإسلام دين الدولة".

إن ما يمكن استخلاصه أيضا من هذه النتائج بأن النظام لا يقبل إلا الديمقراطية التي يضع قواعدها و يتحكم في الأحزاب التي تنشطها وهامش الحرية التي بإمكانها التحرك فيه، و يقوم باختيار حتى المنافسين الذين يتنافسون مع رموزه ولا يقبل النتائج إلا التي تمكنه من البقاء في السلطة، إن النظام الجزائري يريد فرض "الديكتوقراطية" إذا صح هذا المصطلح. بمعنى أن النظام يريد أن يكون هو الخصم والحكم في وقت واحد.

النتائج التي أعلنها السيد نور الدين يزيد زرهوني وزير الدولة وزير الداخلية، تؤكد بان السلطات متوجهة إلى الغلق المحكم للساحتين السياسية و الإعلامية، كما تؤكد بان الجزائر بعد 20سنة من التعددية خطت خطوة إلى الإمام وخطوات عديدة إلى الوراء، فالنتائج أكدت حنين و عودة الجزائر إلى النتائج المسجلة في بلدان العالم الثالث على غرار تونس و مصر سوريا وغيرها من الدول التي تفتقر إلى أدنى شروط الديمقراطية والحرية ومبادئ احترام حقوق الإنسان.

و مهما كانت درجة ذكاء السلطة في تضخيم نسبة المشاركة و تقديم المبررات التي دفعت الجزائريين إلى التوجه بكثافة إلى مراكز التصويت والحملة الإعلامية المركزة التي شددت على "انجازات عهدتي الرئيس " فانه يصعب على الإنسان العادي و المنطقي أن يهضم أن ثلاثة أرباع الجزائريين صوتوا في هذه الانتخابات لأنها ببساطة أرقام خيالية.

كما أن نتائج الرئاسيات بينت للشارع الجزائري و العربي والعالمي بشكل واضح أن الديمقراطية في الجزائر ليس في مقدورها أن تكون الاستثناء العربي لان العالم العربي لم يعرف حتى الآن أن رئيسا في السلطة يمكن أن يغادرها عن طريق الانتخابات لان هذه الآلية السلمية للتداول على السلطة في عالمنا العربي المغلوب على أمره لها وظيفة واحدة هي تزكية من هو موجود في السلطة ولو بشرعية الديمقراطية المغشوشة، و على حساب الإرادة الشعبية التي هي مصدر السلطة بنص كل الدساتير العربية، وتأجيل فرص التغيير إلى إشعار آخر.

في الأخير اذكر بقول الله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤذوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا " النساء الآية (58 )

ويقول الرسول "صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع"

9‏/4‏/2009

هاجس نسبة المشاركة يخيم على انتخابات 09 أفريل


ونحن على بعد 24 ساعة من انطلاق عملية الاقتراع لانتخاب رئيس الجزائريين لفترة 5 سنوات (2009 – 2014) والتي لن تحمل أي مفاجئة فهي محسومة النتائج مسبقا، لصالح مرشح النظام والرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، منذ أن تم الانقلاب على دستور 1996 الذي حدد العهدات الرئاسية بعهدتين، لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سنة 1988 ويتبخر معها أعظم مكسب من مكاسب الديمقراطية ألا وهو التداول على منصب رئيس الجمهورية ووضع حد لخلود الحاكم في أعلى منصب في الدولة الجزائرية هذا المكسب الديمقراطي الذي حسدتنا عليه الكثير من الدول العربية والإسلامية وتباهينا به أمام الدول العتيقة والعريقة في الممارسة الديمقراطية وذهب ضحيته أكثر من 100 ألف جزائري وجزائرية.

لكن ورغم كل هذا يبقى الهاجس الكبير الذي يؤرق النظام الجزائري الشائخ هو ضعف نسبة المشاركة والتي تدل كل المؤشرات على أنها ستكون ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالانتخابات الرئاسية السابقة.

الجزائر تتجه بخطى سريعة إلى ما قبل 1988

تميزت الحملة الانتخابية التي دامت 19 يوما بخطاب مستنسخ من حملة 2004، حيث غلب عليها الهاجس الأمني وتدني ظروف معيشة المواطن، بينما غاب عن اهتمامات أغلب المترشحين مصير الحريات والديمقراطية والتداول على السلطة، وحرية الصحافة وحرية تأسيس الأحزاب وإنشاء النقابات المستقلة واستقلالية القضاء وفتح الاستثمار في المجل السمعي البصري وإنشاء القنوات الفضائية الخاصة، وفتح وسائل الإعلام العمومية الثقيلة وعلى رأسها التلفزيون أمام كل القوى السياسية وعدم إبقائها حكرا على ممثل النظام ومن سار في فلكه.

أكثر ما يشد الانتباه في الحملة الانتخابية التي أسدل ستارها أمس، الفارق الكبير في إمكانيات المترشحين حيث استحوذ مرشح النظام السيد عبد العزيز بوتفليقة على وسائل الدولة الجزائرية ووظف أموال الخزينة العمومية لتحفيز الجزائريين على المشاركة في الانتخابات، فراح يغدق الأموال على الفلاحين بمسح ديونهم التي قدرت بـ 41 مليار دينار، وتم تسديد أجور العمال التي ظلت محجوزة لأزيد من سنتين ورفع منحة الطلبة من 2700 دج إلى 4000 دج كل ثلاثة أشهر وهو ما يعادل حوالي 40 أورو لتصبح منحة الطالب شهريا 1300 دج ما يعادل 13 أورو، وماذا عساها أن تفي هذه المنحة من حاجات الطلبة الذين يقع على عاتقهم مستقبل الأمة، وكما تم أيضا تخفيض تذاكر السفر بالنسبة للمغتربين الجزائيين بنسب متفاوتة تصل إلى 50 بالمائة، دون أن ننسى التكاليف الباهظة للحملة الانتخابية التي قدرت بملايير الدينارات.

هذا الفارق في الإمكانيات ترك انطباعا بأن السيد عبد العزيز بوتفليقة سيتنافس مع ظله يوم 09 أفريل 2009.

لقد عمد الرئيس القديم ومرشح النظام للعهدة الثالثة، والأحزاب والجمعيات والأشخاص الموالون له إلى الترويج لجملة واحدة للتعبير على نجاح المصالحة وعلى إظهاره بأنه الفارس المنقذ للجزائر وكأن الجزائر لم تكن دولة قبل مجيء عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999 بقولهم "قبل عام 1999 كان المواطن يدخل بيته بدءا من الساعة الخامسة مساء" يعني وبحسب هذا المفهوم أن الجزائريين كانوا لا يؤمنون على حياتهم قبل أن يتولى بوتفليقة شؤونهم ومحاولة تبييض وجه النظام الذي له المسؤولية الكاملة في ما آل إليه الوضع في الجزائر منذ الاستقلال بسبب قمع الحريات وتكميم الأفواه وشراء الضمائر وتزوير إرادة الشعب في اختيار ممثليه بكل حرية.

وللشهادة أقول وحتى لا نبخس الرجال حقهم فإن أول من سعى إلى المصالحة بين أطراف النزاع في الأزمة الجزائرية، ومباشرة بعد وقوع الانقلاب على الإرادة الشعبية في انتخابات 1991، هو الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله وكان شعارها "الجزائر حررها جميع المخلصين ويبنيها جميع المخلصين" ورفض الإقصاء والتهميش وتزوير الإرادة الشعبية الحرة ونادى إلى التداول السلمي على السلطة أو البقاء فيها، بينما كان في ذلك الوقت من ينادي بالمصالحة يتهم من جهة من طرف العلمانيين بالخيانة والتعاون مع الإرهاب، ومن جهة أخرى يهدد من طرف الجماعات المسلحة بالموت وترسل إليه مستلزمات الغسل والتكفين. فأين كان بوتفليقة من كل هذا؟؟... كان في غربته الخليجية التي دامت 20 سنة.

من الظواهر التي تنفر الجزائريين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع هو التفاف الانتهازيين والمتملقين والإنبطاحيين وعديمي الضمائر والمبادئ حول مرشح النظام، التفافهم هذا ليس لقناعتهم ببرنامجه،وأنى لهم هذا، ولا لزرقة عيونه، ولكنه لنهب المزيد من ثروات الشعب الجزائري والحصول على مزايا في دواليب السلطة.

فقد صادف الحملة الانتخابية ارتفاع جنوني في الخضر والمواد الغذائية الأساسية التي تمثل قوت المواطن البسيط حيث وصل سعر الكيلوغرام من البطاطا إلى 100 دج، والكل يعلم بأن الجزائر تمتاز بإنتاجها الوفير لهذه المادة الغذائية التي لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها، وكذلك سمك السردين الذي وصل إلى سعر 350 دج وهو طبق لا يمكن توفره أمام الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم البيضاء والحمراء.

النظام الجزائري مسؤول كل المسؤولية إلى ما وصلت إليه أوضاع الجزائر المزرية في الإنتاج الفلاحي كيف لا وهي التي كانت قبل عهد البترول وخلال المرحلة الاستعمارية الفرنسية "مطمورة أوربا" وقبلها بقرون في العهد الروماني كانت تسمى "مطمورة روما". كانت الجزائر فيما مضى تزود أوربا بأكملها من منتوجها الفلاحي فإذا بها اليوم لا تطعم 34 مليون جزائري.

في جزائر اليوم تقدر تكلفة استيراد المواد الغذائية والمواد الطبية بأكثر من 24 مليار دينار سنويا، دون أن ننسى التفشي الرهيب لأفظع الآفات الاجتماعية بين أوساط الشباب والأطفال كالمخدرات، والهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، هجرة الأدمغة الجزائرية إلى الخارج، إضافة إلى عدم قدرة الشباب على الزواج لعدم توفر السكن والعمل، مما أدى إلى ارتفاع في نسبة العنوسة إلى مستويات رهيبة.

تحديات العهدة الثالثة:

تكمن تحديات العهدة الثالثة في التغيير الحقيقي وحاجة القوى السياسة الفاعلة والمخلصة إلى قيام ما أسميه "ائتلاف الجزائريين من اجل التغيير" وغاية هذا الائتلاف تكمن حسب رأيي في:

  1. مكافحة الفساد والرشوة واحتكار النظام لوسائل الإعلام الثقيلة.
  2. الوقف الفوري لقانون الطوارئ ورفض الاعتقالات السياسية.
  3. إطلاق حرية الصحافة وتكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية والنقابات المستقلة.
  4. كفالة حرية الإضراب والاعتصام السلمي ورفع الحضر عن المسيرات في العاصمة.
  5. ضمان الاستقلال الكامل للقضاء والتداول السلمي على السلطة وتفعيل الرقابة الشعبية على أداء الحكومة بواسطة البرلمان.

هذا إذا أرادت القوى السياسية الفاعلة في الساحة الجزائرية المحافظة على ما تبقى من الديمقراطية والحرية والتعددية الحزبية ومقاومة الرجوع إلى ما كانت عليه البلاد قبل 1988.

هل هو ترويج للعلمانية ؟

صرح المترشح (المستقل) لرئاسيات 09 أفريل 2009، السيد عبد العزيز بوتفليقة، والرئيس السابق لعهدتين متتاليتين (1999 – 2004 ) (2004 – 2009 )، أن الجزائر لم تعد في حاجة إلى"الإسلام السياسي" و قال كذلك بأن "العلماني المتدين" أحسن من " المسلم السياسي" لأن الأول لا يسيس الدين والثاني يسيسه، و هو ما أعتبره الكثير من المتتبعين و المحللين ترويج صريح للعلمانية في بلد مسلم100% و مخالفة لنص المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن " الإسلام دين الدولة" أي أن المرجعية الأساسية في التشريع و سن القوانين هو الإسلام.

مرّ هذا التصريح دون أن تتحرك اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات الرئاسية التي من مهامها مراقبة احترام المترشحين لقوانين الجمهورية دون تمييز, و لا الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية ولا حتى جمعية العلماء المسلمين رغم أن الأمر جلل.

هل ستكون العهدة الثالثة تكريسا للعلمانية؟

لا يمكن لأي جزائري مسلم كيس فطن إلا أن يفهم من هذا التصريح أنه دعوة صريح للفصل بين الدين والدولة أو بين ما هو سياسي وما هو ديني، كما اعتبر من يطمح أن يكون رئيس الجزائريين للمرة الثالثة على التوالي، بأن "العلماني المتدين" أحسن من "المسلم السياسي"... لماذا؟ لأن الأول لا "يسيس الدين" والثاني "يسيس الدين".

و حتى يتضح الأمر أكثر فإن المترشح "المستقل" عبد العزيز بوتفليقة يريد من الجزائريين أن يعتنوا بالشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج وأن لا يتدخلوا في الشؤون السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأنه يرى بان ذلك سيفسد عليهم دينهم وهي بصريح العبارة دعوة إلى علمنة الجزائريين.

هل يعقل أن نسمع مثل هذه التصريحات بعد مرور 47 سنة من استقلال الجزائر, أرض الإسلام والعروبة، الاستقلال الذي دفع من أجله الشعب الجزائري مليون و نصف المليون من الشهداء من أجل استرجاع سيادته و قيمه و ثوابته المثمتلة في أبعادها الثلاثة " الإسلام, العروبة والأمازيغية".

الجزائر التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس الأمازيغي و رائد النهضة " شعب الجزائر مسلم و إلى العروبة ينتسب"، ليأتي من يريد قيادة أبناء الشهداء و المجاهدين فيدعوهم أن يكونوا " علمانيين متدينين" , لو قالها شخص آخر لكان من الممكن أن نصمت و نعتبر التصريح مجرد هفوة لسان, أما و قد قالها من هو قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء كرسي الرئاسة لعهدة ثالثة, وقد تكون إلى أن يقضي الله أمر كان محتوم، فإنه من الواجب علينا كرعية أن نتقدم بالنصح لقيادتنا وولاة أمورنا و هذا ما أمرنا به إسلامنا، و أن نضع بعض النقاط على الحروف.

1 ) سيدي المترشح "المستقل" عبد العزيز بوتفليقة, لا يمكن للجزائر أن تستغني عن الإسلام الذي هو نظام شامل و منهاج حياة، ينظم شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما ينظم شعائرها التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج.

2 ) المسلم هو أفضل خلق الله في هذه المعمورة لأن غايته في هذه الحياة تتمثل في إرشاد الناس إلى الخير ودعوتهم إلى المعروف و نهيهم عن المنكر و قيادة الإنسانية إلى نور الله، مصداقا لقول الله تعالى :

( يأيها الذين آمنوا, اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون، و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى و نعم النصير) (الحج).

فهل يعقل بعد هذا التفضيل الرباني والتكريم الإلهي للمسلم أن نقول بأن "العلماني المتدين" أحسن من "المسلم السياسي" لأن الأول لا يقحم الدين في السياسة والثاني يحشر أنفه فيها.