18‏/7‏/2008

أيتام على موائد اللئام



بقلم: د. عصام العريان

يبدو العرب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى كالأيتام على موائد اللئام تتم دعوتهم لحضور المنتديات والمؤتمرات واللقاءات دون أن يكون لهم رأي أو يسمع أحد صوتهم، أو يشاركون في القرارات كما قال الشاعر:

ويُقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يُسـتأذنون وهم حضور

فها هم القادة والزعماء يهرولون- باستثناء القذافي- إلى باريس لحضور قمة باريس بشأن (الاتحاد من أجل المتوسط) وكل يغني على ليلاه، وكل حزب بما لديهم فرحون؛ فلم يلتقوا على رأي واحد، ولم يتفقوا على موقف محدد، وفشل لقاء طرابلس الذي دعا إلي القذافي منذ أسابيع لجمع شمل القادة العرب؛ حيث قاطعه البعض، وفشل أيضًا في الوصول إلى موقف موحد؛ حيث يذهب الجميع تقريبًا ويقاطع القذافي وحده، مغردًا خارج السرب كعادته.

وفي حين يريد الأمين العام لجامعة الدولة العربية بث الأمل في نفوسنا بتصريحه في المؤتمر الصحفي مع وزير الخارجية الأيرلندي بالقاهرة:

"هناك تحفظات عربية وأوروبية على المبادرة وتساؤلات وملاحظات وعلامات استفهام، والكل سيحضر النقاش للتناقش حول كيفية إنشاء هذا المشروع، والشكل النهائي لم يتحدد بعدُ، والدول العربية ذاهبة إلى اجتماع باريس برؤية واحدة أكثر مما تراها الأعين الآن؛ لأنه حدثت تعديلات قُدمت باسم كل العرب المشاركين في الاجتماع. (الحياة 10/7).

ولكن لم ير أحد أو يسمع مراقب عن هذه التعديلات العربية بينما تابع الجميع المناقشات الأوروبية التي أدخلت تعديلات جوهرية على مبادرة الرئيس الفرنسي ساركوزي وصلت إلى تعديل الاسم مع الجوهر حتى لا تصطدم الفكرة المتوسطية بالاتحاد الأوروبي القائم والمتجدد والمتمدد في الفضاء الأوروبي الذي يسعى لاستيعاب البلقان بعد استيعاب معظم أوروبا الشرقية، أما العرب فسيكتفون بلقاءٍ تشاوري مساء القمة لوزراء الخارجية العرب في باريس لتمزيق المواقف قد يحضره الوزير السوري وقد لا يحضره.

"تفرَّق العرب أيدي سبأ"، وأصبحوا من جديدٍ قبائل متنازعة، تسعى كل قبيلةٍ لمصلحتها، وترعى مواطن الكلأ والعشب الذي تُقدمه لها الدول الكبرى، خاصةً في ظل مقاطعة دول عربية كبرى لقمة دمشق العربية التي كرَّست الانقسام العربي بين محورين: محور للاعتدل ترعاه أمريكا وفرنسا ويعمل في إطار المخطط الأمريكي الصهيوني، ومحور الممانعة الذي يخشى على مصالحه ولا يرى نفسه في إطار التسويات الكبرى التي تتم اليوم ولم يتبق فيه إلا سوريا ودول تعيش مشاكلها الخاصة تتأرجح بين المحورين

وفقد العرب البوصلة في مرحلة حاسمة من التاريخ، فدخلنا مرحلة التيه والضياع.

سوريا تذهب إلى باريس بإلحاح فرنسي وترتيب أوروبي لكسر العزلة الأمريكية عليها وبهدف إبعادها عن إيران وتشجيعها على المضي قدمًا في المفاوضات غير المباشرة مع العدو الصهيوني وتحويلها إلى مفاوضات مباشرة ولممارسة المزيد من الضغوط عليها حتى تلجم المقاومة ضد العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان.

الرئيس الأسد يذهب بحسابات مختلفة؛ فهو يريد استعادة الدور السوري في لبنان والذي قد يزداد بعد الانتخابات اللبنانية المقبلة، ويريد كسر الطوق الحديدي الذي فرضه الأمريكيون على بلاده بعد اغتيال الحريري، وهو يبدي مرونةً قد تصل إلى مصافحة أولمرت في باريس التي ستجلب عليه سخط العرب المقاومين

بقية العرب يذهبون لأنه لا حيلة لهم ولا قرار ولا يقدرون على مجرد قول "لا" أو الامتناع عن الذهاب أو يراهنون على إفشال المشروع كما فشلت عملية برشلونة التي انطلقت منذ عام 1995م، واعتبر الأوروبيون المبادرة الجديدة التي أطلقها ساركوزي هي تجديد لها وامتداد طبيعي لمشاركة فشلت من قبل

الأوروبيون- وفي مقدمتهم فرنسا- لهم أهداف واضحة ويسوقون الوهم للعرب في سبيل دفعهم لتبني الأجندة الأوروبية

هم يريدون وقف موجات الهجرة البشرية المتتالية ووقف قوارب الموت التي تحمل الآلاف من العرب والأفارقة ليغرقوا على شواطئ المتوسط في مشهد يلخص مأساة العالم اليوم بين قطب غني فاحش الثراء وعالم فقير لا يجد الغذاء

هذا المشهد يؤرق كل إنسانٍ له ضمير حي ويحمل نذر المستقبل القريب أو البعيد الذي يهدد أوروبا في الحالتين: وصول المهاجرين إلى بلادٍ لم تعد تنجب المزيد من الأطفال ومعدل نموها السكاني يكاد يصل إلى الصفر مما يغير التركيبة السكانية أو فشل هؤلاء وغرقهم على السواحل مما يؤجج عوامل السخط والكراهية، وهذه هي بواعث الإرهاب والعنف الذي يعشش داخل أوروبا نفسها في أحياء المهاجرين ويمثل قنابل موقوتة ستنفجر ولو بعد حين

فرنسا التي تقف ضد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي تريد هذا المنتدى الجديد بديلاً عن أحلام تركيا وغيرها باللحاق بالقطار الأوروبي الذي يجب أن يبقى اتحادًا للشعوب المسيحية فقط ولا مانع من إلحاق بلاد صغيرة وضعيفة كألبانيا وكوسوفو، ويمكن أن تذوب في الهوية المسيحية وتعيش على المعونات الأوروبية وليس لها ثقل سكاني أو اقتصادي

الأوروبيون يؤرقهم مشاكل الهجرة والإرهاب والبيئة والنقاء الأوروبي والرفاهية الأوروبية، ولا تهمهم مشاكل الدول الأخرى، إنها العنصرية الأوربية المرتبطة بالحضارة الغربية العلمانية ذات الجذور اليهودية المسيحية

يريد الأوروبيون أيضًا تطبيعًا متبادلاً بين العرب والعدو الصهيوني دون الوصول إلى الحقوق الفلسطينية أو سلام حتى على الشروط الدولية، مما دعا وزير خارجية مصر إلى التصريح بأن "مصر لن تقبل بأن يكون (اتحاد المتوسط) أداة لتطبيع العرب مع إسرائيل" (الحياة 10/7)

والسؤال: إذا كانت مصر هي أكبر الدول العربية التي تُطبِّع مع إسرائيل وتُقيم علاقات معها.. دبلوماسية وتجارية وأمنية.. فهل تملك مصر منع التطبيع مع بقية دول العالم العربي؟.

العرب باتوا كالأيتام على موائد اللئام؛ فالعراق ساحة للحوار الأمريكي الإيراني، والاتفاقية الأمنية التي تكرس الاحتلال الأمريكي يتم البحث حولها في غياب عربي تام وتسارع دول الخليج لفتح سفاراتها دون وجود أفق لمستقبل العراق

والسودان يتعرض لمؤامرةٍ خطيرةٍ قد تصل إلى محاكمةٍ جنائيةٍ لرموزه وقادته، والصومال ساحة حرب بين طموح أوروبي للهيمنة على القرن الإفريقي وتمرد إريتري لتغذية خلافات تاريخية مع إثيوبيا، ويدفع الشعب الصومالي الثمن من دمائه وحريته واستقلاله

أصبح العرب بدون قيادة بعد أن تخلت مصر محل القيادة الطبيعية عن دورها، ووصل المأزق الأمريكي الصهيوني إلى ذروته في فلسطين والعراق وأفغانستان

وهكذا في لحظة فارقة في تاريخنا ندخل تيه الضياع من جديد ولا تملك الشعوب إلا أن تتمسك بالأمل في فجر جديد يعصمها الإيمان بالله تعالى والثقة في قدرة الأمة على امتلاك إرادتها وتوجيه البوصلة نحو الاتجاه الصحيح للوصول إلى بر الأمان

قرار "اعتقال" البشير.. اغتيال الشرعية




السفير عبد الله الأشعل: إعلان الأمريكان القرار قبل المحكمة كشف الحقيقة

د. هشام صادق: المعايير المزدوجة قدمت البشير بدلاً من بوش وأولمرت

د. مجدي فؤاد: المحكمة الدولية تحوَّلت إلى أداة في يد الصهيوأمريكية

خبراء الشأن السوادني: القرار مؤسف ويستوجب تحركًا واسعًا ضده

تحقيق- حسن محمود

أثار إعلان وزارة الخارجية الأمريكية أن المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية بصدد إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهم ارتكاب مجازر وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ثم طلب الادعاء في المحكمة باعتقال البشير اليوم في جرائم بدارفور، استهجان الخبراء القانونين والمتابعين للشأن السوداني.

وأكد خبراء القانون الدولي والشأن السوداني لـ(إخوان أون لاين) أن هذا القرار يكشف حقيقة المحكمة الدولية وأنها أداة في يد الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة، وأوضحوا أن المحكمة خسرت قانونيتها لصالح المصالح التي تقودها أمريكا في تقسيم المنطقة وإحداث فوضى فيها.

واعتبروا أن الصمت العربي تجاه ما يحدث ضد السودان يعبر عن خوف الحكام العرب من التوجه الأمريكي الجديد على المنطقة، ويستوجب التراجع عنه قبل اتخاذ الولايات المتحدة خطوات أشدّ تطرفًا من هذه الخطوة.

محكمة سياسية

في البداية يؤكد السفير عبد الله الأشعل مساعد وزير خارجية مصر السابق وخبير القانون الدولي أن إعلان وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة المحكمة يشكِّل إحراجًا للمحكمة وليس لأحد غيرها، ويضرب المحكمة ومستقبلها في مقتل؛ حيث يكشف أنها محكمة سياسية وأن هذا القرار سياسي.

وأوضح أن المحكمة في بدايتها أعطت أملاً للعالم العربي في محاكمة العابيثن بدماء العرب والمسلمين في العراق وفلسطين، ولكن المحكمة تم تسييسها منذ صدور قرار رقم 1563؛ الذي أحال بعض السودانيين بترتيب أمريكي فرنسي.

وأشار إلى أن ارتباط المحكمة الدولية بمجلس الأمن جعلها أداةً في يد أمريكا لمعاقبة أو مكافأة من تشاء، مؤكدًا أن كل الشكوك التي أثيرت في عام 2005م ضد المحكمة أصبحت اليوم حقائق يجب الانتباه والالتفات إليها، وأهمها أن أمريكا كشفت عن وجهها القبيح والتسلطي أمام العالم.

وأوضح أن الحاجة ملحَّة اليوم لعدم انضمام أحد من العالم العربي لهذه المحكمة؛ كي لا تتحول إلى أداة لقمع العرب بجوار شنّ الكتَّاب والمثقَّفين حملةً لتوضيح ماهية المحكمة، وشدَّد على أن الرصاصة التي أطلقتها أمريكا ضد السودان رجعت إلى صدر المحكمة الدولية وخسرت بها أمريكا أشياء أخرى

وحول المواقف العربية مما حدث للبشير؛ أكد الأشعل أنه من المؤسف أن يكون موقف إفريقيا أقوى في مساندة السودان، بينما ساد الغياب العربي الموقف وبدا كأنه متقاعس، وينتظر الضوء الأمريكي للرد أو بعبارة أخرى" كله كش"

أداة أمريكية

ويشير الدكتور مجدي فؤاد أستاذ القانون الدولي العام بجامعة عين شمس إلى أن المحكمة الدولية في الأساس عليها مآخذ؛ حيث منحت مجلس الأمن اختصاصًا مزدوجًا؛ من إسناد القضايا إليها، وتعليق النظر لأي قضية لمدة عام، ويجوز لها تجديد هذه المدة لمدد أخرى، مؤكدًا أن هذا جعل المحكمة الدولية أداةً في يد جهاز سياسي يوجه أعماله ضد أي دولة يريدها

وأوضح أن مجلس الأمن يقود هذا الجهاز السياسي تحت إشارة الولايات المتحدة الأمريكية على الأخص؛ مما دمَّر أساس المحكمة الجنائية وألغى قانونيتها وعزَّز من بُعدها السياسي، وشدد على أن الأولى بالمحكمة الدولية محاكمة الرئيس الأمريكي وقيادات الكيان الصهيوني الذين دمَّروا الأراضي الفلسطينية والعراقية دون أن تقف ضدهما المحكمة بكلمة أو مذكرة.

وحول مستقبل المذكرة المقدَّمة من المحكمة أكد د فؤاد أن السودان ليس طرفًا في النظام الأساسي للمحكمة، وبالتالي فلا تستطيع المحكمة بأدواتها تسلم أشخاص من السودان أو توقيف رئيس دولة، مشيرًا إلى أن المتوقَّع من هذه الضجَّة أن يستمر أسلوب الضغط السياسي باستصدار تدابير عقابية ضد السودان

قرار للفوضى

ويعتبر مسعود الحناوي رئيس قسم الشئون العربية بجريدة (الأهرام) ما يحدث من المحكمة الجنائية ضد الرئيس البشير عمليةً مسيئةً للغاية، وشيئًا يأسف له كل عربي، ولا علاقة له بالقانون ولا السياسة، وإنما هو تسلُّط عالمي جديد على الوطن العربي وبُؤرِه الملتهبة من أجل إحداث مخططات أمريكية مشبوهة ضد المنطقة

كيد صهيوأمريكي

ويشدِّد زين العابدين أحمد أقدم صحفي سوداني بوكالة أنباء (الشرق الأوسط) على أن قرار المحكمة سياسي في المقام الأول، مشيرًا إلى أنه هناك إجماعًا سودانيًّا عامًّا على رفض هذا التوجه الغريب جملةً وتفصيلاً.

وأشار إلى أن القرار يعطي حافزًا سلبيًّا للجماعات المسلَّحة في السودان على هدم تحركات السلام ونشره وإعادة الهدوء والاستقرار للبلاد، ويقوِّض المساعي السياسية لإصدار قانون جديد لانتخابات 2009م، ويرجع القرار إلى الكيد والتربص الصهيوأمريكي ضد السودان الذي يريد أن يعصف بمستقبل السودان وأمنه واستقراره.

ويحذر من الانسياق وراء مثل هذه الدعوى وعدم الوقف ضدها بحزم، قائلاً: إن جرجرة رئيس البلاد للمحكمة الدولية سينعكس سلبًا على المنطقة، خاصةً على دول الجوار التسعة، ويهدِّد استقرارها، "مضيفًا أن الرغبة عارمة في هزِّ رئيس السودان والإتيان برئيس لا قيمة له يسلِّم مفاتيح البلاد للأعداء""

معايير مزدوجة

ويرى د. هشام صادق أستاذ القانون الدولي الخاص بجامعة الإسكندرية أن حلَّ هذه الأزمة يرتبط بتطوير القانون الدولي؛ بحيث تعلو القاعدة القانونية العامة والمحددة على المعايير المزدوجة التي تطلب اعتقال البشير وتترك جورج بوش الابن وقادة الكيان الصهيوني دون محكمة أو مذكرة من نفس المحكمة، رغم أنهم مجرمو حرب بامتياز وأصحاب سجلات سوداء في تاريخ الإنسانية

ويؤكد أن هناك ضرورةً لاستيعاب فكرة محاكمة أي فرد ارتكب جرائم ضد حقوق الإنسان؛ بشرط واحد ينطبق على المجتمع الدولي؛ هو: إلغاء المعايير المزدوجة الموجودة أمامنا في العالم، مشيرًا إلى أهمية أن يتقبَّل العالم كله دون تقسيم لفكرة المحاكمة، وأن يتفهَّم أن المحاكمة لا تعني الإدانة، وإنما تعني فتح باب التحقيق فقط.

وشدَّد على أنه لا يمتلك دليل إدانة أو براءة للرئيس عمر البشير، ولكنه يؤسس لمستقبلية التعامل مع حقوق الإنسان في العالم، من خلال قانون دولي لا يعترف بمعايير مزدوجة من أجل دول بعينها

مفاهيم تجري في عروقنا مجرى الدم



بقلم الداعية : جمعة أمين عضو مكتب الإرشاد

لحبي لهذه الدعوة المباركة أخطُّ هذه السطور مؤديًا الواجب الذي تُمليه الدعوة على كل فردٍ من أفرادها ألا وهو :

أولاً : حراسة الدعوة والعمل على نشرها بالحكمة والموعظة الحسنة.

ثانيًا : حماية الفكرة من المغالاة فيها أو الاعتداء عليها أو الانحراف عنها.

ولذا كانت سطوري هذه لتأكيد التصور السليم، وتعميق المعاني وتثبيت المفاهيم لتوحيد الوجهة والمسار حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.

فعلى مدار ستين عامًا أو يزيد قليلاً قضيتها في هذه الدعوة المباركة!! أنعم مع إخواني بالفهم الدقيق، والإيمان العميق، والحب الوثيق، والعمل المتواصل، والوعي الكامل، وتحري القصد وسلامة الخطوات، وحب غرس في نفوسنا زاد من تماسك الجماعة حتى عصت على الاختراق أو الاقتسام والتشرذم والتفرق، وهذا الحب هو الذي ميَّز جماعتنا عن أي تنظيماتٍ أخرى مهما بلغت دقتها أو كثر عددها، ولقد عبر عن هذا المعنى الإمام البنا حين قال: "سنقاتل الناس بالحب" فإذا انتفى هذا الحب أو قل بين أفراد الجماعة فسمى الجماعة بأي اسم شئت إلا أن تكون "جماعة الإخوان المسلمين".

ورضوان الله على الإمام البنا الذي علَّمنا أن نردد صباح مساء وردًّا أسماه "ورد الرابطة" بدايته "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك.."، وجعل الأخوة ركنًا من الأركان بدونه لا يقوم بناء.

والجدير بالذكر أني عاصرت جميع المرشدين بمَن فيهم الإمام البنا غير أني كنت في مقتبل العمر لا أدرك أغراض الدعوة وأهدافها حتى شببت عن الطوق واستكملت الفهم وطبيعة الطريق بمعايشتي باقي المرشدين إلى أن سعدت بصحبة المرشد الحالي الأستاذ محمد عاكف وإخوانه الكرام.

المدرسة الواحدة

والذي أريد أن أؤكد عليه أن جميع المرشدين وأتباعهم هم خريجو مدرسة واحدة لها منهجها الواحد وخطتها الواحدة وأهدافها المحددة فجميع المرشدين من بعد الإمام البنا يدينون له بالفضل بعد الله سبحانه وتعالى وينتسبون لمدرسةٍ واحدةٍ هي مدرسة الإمام البنا، وهم حراسٌ على منهجها المستمد من كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- وعمل السلف الصالح من هذه الأمة، وهذه المدرسة بقيادتها وأفرادها يعرفون ثوابتهم التي لا اجتهادَ فيها ولا تبديلَ ولا تغيير مهما تغيَّر المرشدون أو تبدَّلت القيادات بتغير السنين والأحوال، فالثوابت عُمد الجماعة الثابتة، والمتغيرات وهي المجتهد فيها داخل مؤسسات الجماعة وليس بفرض آراء المرشدين وأوامرهم أو تبعًا لمدارسهم كما يدَّعي البعض.

ولم أعرف- كما لم يعرف أي فردٍ في الجماعة- مدرسةً أخرى تنتسب لمرشدٍ من المرشدين خاصةً به كمدرسة عمر التلمساني مثلاً، أو مدرسة مصطفى مشهور- رحمة الله على الجميع-، ولو كانا على قيد الحياة لاستنكرا ما يُقال، فهذا كلامٌ لا يقوله مَن تربَّى في مدرسة البنا أو حتى صاحب رأي منصف، واسألوا الشباب قبل الشيوخ.. الذين تربوا على منهج الجماعة فبالرغم من أنهم لم يروا معظم مرشديها إلا أنهم لم يروا اختلافًا أو تناقضًا في الفهم والحركة حين يقرأون للأستاذ الهضيبي أو الأستاذ عمر التلمساني أو الأستاذ أبو النصر، أو الأستاذ مصطفى مشهور أو الأستاذ مأمون أو مرشدنا اليوم- أمدَّ الله في عمره-، فالجميع مستقي من معين واحد.

وأحسب أن القارئ لهم جميعًا لن يحس بفارق في المعاني والمفاهيم حين يتعرضوا لشرحٍ لفكرة وتوضيح المنهج اللهم إلا في أسلوب العرض والشرح، والحمد لله فالصفُّ نفسه بخيرٍ يجتمع على فهم واحدٍ دقيق وضوابط حاكمة تحكم المسير، ولم يختلف أحدٌ من أفراد الجماعة، فضلاً عن قادتها فيها، وبفضل الله أدبياتنا مسجلة ومفاهيمنا مسطرة ووثائقنا منشورة ومراجعنا معتمدة، وأساتذتنا من الشيوخ أمد الله في عمرهم، ومنهم مرشدنا الحالي، من السهل الرجوع إليهم، فهم بفضل الله عدول وأهل للثقة ومراجع للفهم.

أول مَن يحترم النظم

إنَّ المرشدَ العام لجماعة الإخوان المسلمين له اختصاصاته وأدواره التي حددتها اللوائح والنظم، وهم جميعًا بفضل الله أول مَن يحترمونها وينزلون عليها، فالمرشد العام يوجه ويتابع ويشارك ويبدي رأيه كما يبدي إخوانه آراءهم في الأمور والمسائل المعروضة، وليس له أن يفرض رأيه على الجماعة، فضلاً عن أن تكون له مدرسة خاصة به يطبع الجماعة بطابعها، ويدعو إليها ويتميز بها فهذا محال!!!.

وإن كان الأمر كما يدَّعي البعض فعلام تتكون المؤسسات؟ ولم تجتمع اللجان لاتخاذ قرار؟ ولم توضع الضوابط والاختصاصات؟ إذا كان المرشد هو الآمر الناهي فلماذا تعتبر الجماعة الشورى ملزمةً؟ ولماذا كل هذه المؤسسات الشورية والإدارية؟ فلتستغن الجماعة عن هذه المؤسسات إن كان الأمر كذلك ولتعتمد على أوامر المرشد وتوجيهاته فحسب!!! إن هذا لشيء عجاب!!.

صحيح- مما لا شك فيه- أن كل فردٍ مسلم بصرف النظر عن موقعه الدعوي أو الإداري يختلف عن الآخر في قدراته وإدارته وله شخصيته المستقلة المتميزة، والتي يقرها الإسلام ذلك؛ لأن هذا تعدد محمود يظهر من خلاله القدرات والكفاءات والقيادات المختلفة، فهذا إداري ماهر؛ وذاك مربٍ فاضل، وآخر محلل للأحداث بارع، وهذا حليم وهذا غضوب، وهذا صبور وهذا انفعالي، وهذا رقيق المشاعر وهذا شديد المراس، وهذا متأنٍ وهذا شديد الانفعال، وبالرغم من هذا التنوع وهذا التعدد فإنه لا يبتعد أي فردٍ منهم عن المنهج والفكرة والخطة قيد أنملة بل يعمل على ضوء ذلك، قد تختلف التعبيرات والاجتهادات التي تحسمها الشورى، ولكن المقاصد والغايات واحدة والفكرة والأهداف يضبطها تصور واحد وتجمعها خطة واحدة، فهم شخصيات متعددة الصفات والقدرات ولكنها متحدة الفكرة والحركة والغاية.

ولأوضح للقارئ الكريم ذلك أسأل سؤالاً: هل ما كان يحمله ويتصف به أبو بكر الصديق رضي الله عنه من صفات وطبائع وقدرات كالتي يتصف بها الفاروق عمر بن الخطاب؟ وهل كان عثمان- رضي الله عنه- كعلي بن أبي طالب، وهل كان خالد سيف الله المسلول كابن مسعود، لقد اختلفوا في النظرة للأمور وتحليلها ولكن ثوابتهم واحدة والكل من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ملتمس يقولون بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

ومن هنا فإننا لا نتصور مع اختلاف طبائع المرشدين وأسلوبهم في إدارة الأمور أن يكون أسلوبهم واحدًا وطريقتهم واحدة، فهذا أمرٌ محال، ولكن مع خطة الجماعة وثوابتها وأهدافها لا يتصور أن يأمر أو يوجه أحدهم بالانفتاح على المجتمع والتعامل مع الأحزاب مثلاً ثم يأتي مَنْ بعده فيلغي هذا التوجه أو الخطة وكأن الجماعةَ لا تحكمها مؤسسات شورية وإدارية، فهذا فهم لا تقره العقول السليمة، فضلاً عن الواقع العملي للجماعة!!.

إن الأستاذ عمر التلمساني- جزاه الله عنا خير الجزاء- تولى كمرشدٍ في مرحلة شوهت فيها الجماعة سنوات طوال، فكان نعم المرشد للمرحلة فبحلمه وسعة صدره، صحح صورة الجماعة في المجتمع وانفتح عليه وعلى أحزابه ومؤسساته المدنية، ثم جاء الأستاذ حامد أبو النصر وواصل المسير طبقًا لخطة الجماعة وتأكيدًا لتوجهاتها وسياستها في هذه المرحلة ثم جاء الأستاذ مصطفى مشهور الذي اهتمَّ بتأصيل مفاهيم الجماعة متماشيًا مع المرحلة، وجاء من بعده الأستاذ مأمون الهضيبي- رحمة الله على الجميع- وواصل المسير وبطبيعته القضائية كانت ألفاظه في غاية الدقة وتعبيراته تميل لدراسته القانونية، وأشهد أنه- رحمة الله عليه- كان أشد حرصًا على تنفيذ خطة الجماعة وتوجهاتها.

وبالمناسبة هل الجهاز الخاص سيطر أصحابه على الجماعة وتوجهاتها؟- ابتداءً- فإن هذا الجهاز يفخر به كل فردٍ في الجماعة؛ لأنه ما أنشأ إلا لمقاومة المستعمر، فهو ليس سُبَّةً في تاريخ الجماعة، بل هو موضع الإعزاز والفخر وسنتناول موضوعه بإيجابياته وسلبياته بتفصيل في "أوراق من تاريخ الجماعة" بمشيئة الله تعالى.

إن الذي يهمنا هنا هو دوام التشويه والتشويش للجماعة وقيادتها، وهذا ليس بجديدٍ على أصحاب الدعوات ولا يعيرونه التفاتًا، فبالمناسبة لقد شاركتُ مع إخواني في مكتب الإرشاد من أيام الأستاذ محمد حامد أبو النصر- رحمة الله عليه- وتعاقب على المكتب كلٌّ من الأخوة الأستاذ الدكتور محمد حبيب النائب الأول، والأستاذ الدكتور محمود عزت أمينها العام، والأستاذ الدكتور محمود غزلان، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والأستاذ الدكتور محمد مرسي، والأستاذ الدكتور محمد بديع، والأستاذ الدكتور محمود حسين، والأستاذ الدكتور محمد بشر، والمهندس خيرت الشاطر النائب الثاني- فك الله أسرهم جميعًا- وكلهم كانوا من شباب الدعوة وهؤلاء جميعهم لم يعايش أحد منهم الجهاز الخاص بل منهم من لم يكن قد التحق بالجماعة أصلاً فأين سيطرة رجال الجهاز الخاص على مكتب الإرشاد؟ ونظرة إلى تكوين المكتب اليوم نقول: كم بقي من الرعيل الأول في مكتب الإرشاد؟

إن الافتراءات والكذب والتضليل ملازم لأصحاب الدعوات وما نجا مرشد من المرشدين من الألسنة الحداد والافتراءات الكاذبة إلى يومنا هذا.

أفك قديم وبهتان

إن الحديث عن الإخوان وتقسيمهم إلى إصلاحي ومحافظ لعبة قديمة وحيلة ساذجة لا تنطلي على أفراد الجماعة الواعين؛ فهذا تقسيمٌ لا تعرفه الجماعة لا لشيء لأن الجماعة كلها قادة وأفراد هم إصلاحيون، وما دعوة الجماعة إلا دعوة إصلاحية ولا تعرف تقسيمات بداخلها، فصفّها رباني يلتف حول قيادته تقل فيه الخلافات وتنعدم فيه الانشقاقات، والشورى الملزمة تحسم الخلاف، ولقد عشتُ بنفسي مواقف لا تعد ولا تحصى كان القرار فيها على خلافِ رأي المرشد الذي كان ينزل على هذا الرأى المخالف له بل ويدافع عنه؛ لأنه قرار الشورى الملزم، والذي يصبح رأي الجماعة الذي يحترمه الجميع الموافق والمخالف على حد سواء، ويعمل الجميع على وضعه موضع التنفيذ، وعلى رأسهم المرشد العام نفسه.

وللتاريخ أذكر ونحن في السجن عام 1965م وبعد أن صدرت الأحكام، أراد الأمن أن يحدث فتنةً كعادته بتقسيمه الإخوان داخل السجن إلى فئات:

البنائون : نسبة إلى الإمام البنا.

والهضيبيون : نسبة إلى الأستاذ حسن الهضيبي.

والقطبيون : نسبة إلى الشهيد سيد قطب.

فلم تنطل هذه الحيلة التي يُراد بها فتنة على الإخوان فسخروا من هذا التقسيم وكان الواحد منا يقابل أخاه داخل السجن فيقبّله ويحتضنه ويسلم عليه قائلاً له بتهكم: أهلاً بالبنائي فيرد عليه ساخرًا ليسمعه أرباب الفتنة: أهلاً بالهضيبيّ، وصارت دعابةً يتهكم عليها الإخوان، وباءت هذه المحاولة بالفشل التام بفضل الله ثم بوحدة الفهم بين الإخوان.

خلاصة القول:

كان الإمام البنا في أفكاره وسلوكياته شديد النفور، وفائق الحساسية إزاء كل دواعي التعصب والتشنج، وعلم أتباعه وتلاميذه أن ينأوا بأنفسهم عن أجواء التشاحنات والتجاذبات، وأن يكون الحوار سبيلاً لتسوية كل خلافٍ ويحسم هذا الخلاف مؤسسيًّا داخل الجماعة.

ومن نافلة القول أن نقول: إن الجماعة تدعو إلى شمولية الإسلام وتكامل أبعاده ومحاولة ترسيخ هذا التصور السليم في الواقع الحياتي مرتبطًا هذا بالفكر والثقافة الإسلامية في تصوراتها، فكان اهتمام أفرادها الدفاع عن العقيدة وتراثها الحضاري الضابط للهوية الذاتية للجماعة وفضلاً عن ذلك فهي دعوة شاملة متعددة الجوانب والمستويات لأنها:

· دعوة لمطلق الإسلام في مواجهة مَن ينكره أو يشكك فيه.

· ودعوة لتطبيق شريعة الإسلام لتكوين أساس نظام يقوم على التدرج في التعامل بين الناس واسترجاعًا لمرجعيتها الإسلامية.

· وهي دعوة التحلي بالسلوك الأخلاقي الصادر عن قيم الإسلام وأصول الدين وفقه الشريعة وتاريخ السلف الصالح.

· وهي دعوة للتحرر السياسي من التبعية أيًّا كان نوعها لتكون لنا إرداتنا السياسية بادئين بالأصول قبل الفروع والتربية عندنا أصل والسياسة فرع.

يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889م- 1965):

"إن السياسة لباب وقشور، وإن سياسة التربية هي الأصل لتربية السياسة- التي هي الفروع- والأصول مقدمة على الفروع، ولباب السياسة بمعناها العام عند جميع العقلاء- هو عبارة واحدة! إيجاد الأمة، ولا توجد الأمة إلا بتثبيت مقوماتها من جنس، ولغة، ودين، وإذا انعدم الشرط انعدم المشروط، ثم يفيض على الأمة من مجموع تلك الحالات إلهام لا يُغالب ولا يُرد.. وأن تلك المقومات متى اجتمعت تلاقحت ومتى تلاقحت ولدت وطنًا".

"إن الآمال في الإصلاح والنهوض إنما تتعلق على الأمة قبل الملوك والأمراء"؛ ولذلك كان منهجنا الإصلاحي معلنًا وواضحًا، وبدايته تربية لأفراد الجماعة وانفتاح على المجتمع لتوضيح الأفكار وتصحيح المسار تعلمنا ذلك كله من الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله "خلو بيني وبين الناس"، ومَنْ صحت بدايته صحت نهايته.

لقد أوضحت القيادة هذه المفاهيم في لقاءاتٍ مفتوحة ونقاشات حرة مرات عدة، فضلاً عن المكاتبات والرسائل التي تؤكد على هذه المفاهيم والمعاني حتى لا تختلط الثوابت بالمتغيرات، ومصدر التلقي من تشويه وسائل الإعلام وتلبيس الحق بالباطل، كل ذلك ليحيى من حيي عن بينة وليتبين الرشد من الغي، ويتضح الصبح لذي عينين ولتستبين سبيل المؤمنين.. وها أنا أُذكِّر نفسي وإخواني، والذكرى تنفع المؤمنين والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

فاللهم بلغت اللهم فاشهد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

13‏/7‏/2008

الجزائر على خطى التطبيع







استطاع تيار الأقلية الحامل للمشروع التغريبي و المتنفد في دواليب النظام الجزائري و بدعم من امتداداته الخارجية الفرنسية على وجه الخصوص، أن يحقق انتصار على حساب التيار الإسلامي الوطني صاحب الأغلبية، حيث استطع أن يفتك موافقة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المشاركة في القيمة التأسيسية للإتحاد من اجل المتوسط التي ستنعقد يوم 13 /07 /08 بالعاصمة الفرنسية باريس.

مشروع الإتحاد من أجل المتوسط، هو في الأصل مشروع صهيو أمريكي، أسندت قيادته إلى الرئيس الفرنسي سركوزي، دوي الجذور اليهودية و المتحمس جدا للعب أدوار في إقناع دول شمال إفريقيا و خاصة دول المغرب العربي التي كانت جلها خاضعة للاستعمار الفرنسي، للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

الإتحاد من اجل المتوسط ، مشروع يحمل في ظاهره التعاون الاقتصادي، و التجاري و البيئي،أما في باطنه استكمال عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني بالنسبة لدول المغرب العربي التي لازالت إلى يومنا هذا لا تربطها أي علاقة مع هذا الكيان الغاصب و هي الجزائر و ليبيا.

و لا يزال الرأي العام الوطني يتسأل عن نوعية الصفقة التي تمت بين الرئيسين الفرنسي و الجزائري، ليفتك الرئيس الفرنسي مشاركة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في قيمة باريس، و شرف الإعلان عنها، برغم أن كل المؤشرات كانت توحي بأن الجزائر ستحذو حذو الجارة ليبيا التي رفضت المشاركة في هذه القيمة، خاصة و ان الشرطان اللذان وضعهما رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة للمشاركة في قيمة باريس حسب ما نشر على موقع الجريدة الفرنسية " نوفال ابسرفاتور"

- عدم حضور رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

- أن تقدم فرنسا اعتذارات رسمية للجزائر على الجرائم التي ارتكبتها إبان استعمارها للجزائر.

برغم من أن هذان الشرطان لم يلبيا وفقت الجزائر المشاركة في قيمة باريس.

و يعتبر المتتبعين لشأن السياسي في الجزائر أن للتغير الحكومي الأخير و الذي عاد على إثره السيد أحمد أويحي على رأس الحكومة دور كبير في التطورات السريعة و المعاكسة لما كان متوقع في هذا الملف، حيث صرح السيد أحمد أويحي قبل و عند توليه رئاسة الحكومة، بأنه حان الوقت لكسر الطابوهات و أن مصلحة الجزائر هي من تقرر المشاركة من عدمها، و بان الجزائريين ليسوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين في الدفاع عن قضيتهم، متناسيا الرابطة التي تربط الجزائريين بالقضية الفلسطينية و هي رابطة العقيدة، حيث هي أولى القبلتين و ثالث الحرمين و مسرى النبي محمد (صلى الله عليه و سلم)، و مهبط الأنبياء عليهم السلام، كما نذكر السيد رئيس الحكومة أحمد أويحي بان الشعب الجزائري و هو تحت نير الإستدمار الفرنسي أعطى الأولوية للجهاد في فلسطين.

فلسطين التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس في سنة 1938 " كل مسلم مسئول أعظم المسئولية عند الله تعالى على كل ما يرى هناك من أرواح تزهق، و صغار تيتم، و نساء ترمل و أموال تهتك و ديار تخرب و حرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة المكرمة".

و ما جعل الشيخ البشير الإبراهيمي بعده يقول : " إن فلسطين وديعة محمد (صلى الله عليه و سلم) عندنا و أمانة عمر ( رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخدها اليهود منا و نحن عصبة إنا إدا لخاسرون"

و كان حزب السيد أحمد أويحي " التجمع الوطني الديمقراطي"، و حزبي " الأرسيدي" و " الأفافاس" و كلهم محسوبين على التيار العلماني من المرحبين الأوائل بمشاركة الجزائر في قيمة باريس يوم 13 /07 /08 .

ما كان للتيار التغريبي أن يحقق هذا الإنجاز لو لا الصراعات الداخلية التي أنهكت التيار الإسلامي و الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته المركزية، حيث كان الشيخ محفوظ نحناح ( رحمه الله) رئيس حركة "حمس" يعتبر مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني خط أحمر لا يمكن تجاوزه و السكوت عليه خيانة، و كان يقول انه بمجرد الجلوس على نفس الطويل مع هذا الكيان الغاصب هو اعتراف به، كما اعتبر القضية الفلسطينية أحد الموانح أو الموانع للانتماء للحركة الإسلامية الواعية، حيث كتب في مقالته المشهورة " معا نحو الهذف" التي كانت تصدرها جريدة النبأ لسان حال حركة "حمس" ما يلي " إن الموقع الجيوسياسي و التاريخي الذي تحتله القضية الفلسطينية، أصبحت به رمزا لموانح الانتماء أو موانعه، و بقدر الالتفاف حولها، و التشبث بأهدافها يكون الانتماء، و بقدر السكوت و الإعراض إو العمل على إجهاض مشروعها تكون الموانع، و على قدر أهل العزم تأتي العزائم".

القيادة الجديدة لحركة " حمس" بقيادة أبو جرة سلطاني أنهكتها الصراعات الداخلية و صرفتها بعض المغانم الحزبية عن القضية المركزية، حيث عرفت تراجعا كبير في ظل هذه القيادة، و عوض أن يكون المؤتمر الرابع محطة للم الشمل، و رص الصفوف و القوى للتوجه بها نحو القضايا الكبرى للأمة، أزداد الخلاف و التهميش، و أضحى أخ الأمس عدو اليوم ، و عدو الأمس أخ اليوم .

كما يؤخذ كثير من القيادات في حركة "حمس" دخول رئيس الحركة أبو جرة سلطاني الحكومة كوزير دون حقيبة و يعتبرونه رهن للقرار السياسي للحركة، حيث أصبح واقع تحت طائلة واجب التحفظ، و خير دليل على ذلك الموقف الهزيل الذي اتخذته الحركة من مشاركة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في قيمة باريس، حيث جاء هذا الموقف بصيغة التحفظ، و كان شعار مجلس الشورى الذي أجتمع في دورة عادية " الدفاع عن الإسلام و الجزائر و فلسطين" فهل يعقل أن ندافع على فلسطين ببيان جاء بصيغة التحفظ بينما الجزائر تقاد إلى طويلة التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب.

يبقى لغز إتحاد القرارات المصيرية في الجزائر قائما، حيث كيف يعقل أن ينتخب رئيس الجمهورية بأغلبية ساحقة من طرف الشعب و تسانده أغلبية الأحزاب الكبرى ما يسمى " بالائتلاف الحكومي" تم تتخذ القرارات بطريقة غير معبرة على عمق الشعب و امتداداته الحضارية و التاريخية، بل تخدم هذه القرارات المشاريع التغريبية و تأتي في صالح الأقلية، و إذا جاز لنا القول فإن الديمقراطية في الجزائر هي حكم الأقلية و خضوع و خنوع الأغلبية. و هذه من إنجازات ديمقراطية الواجهة المطبقة في الجزائر الحبيبة.