قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا".
إن المتمعن في نتائج الانتخابات الرئاسية لـ 09 أفريل 2009 يدرك بأنها جاءت كتتويج لسياسة الديمقراطية المغشوشة التي انتهجها النظام عندما انقلب على الشرعية الشعبية في جانفي 1992، والتي على إثرها دخلت الجزائر في دوامة العنف والإرهاب، والتي كانت سببا في اغتيال المرحوم بوضياف،ثم في التزوير الرهيب الذي وقع في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، مرورا بالانتخابات البرلمانية لسنة 1997، لتتحول شرعية الديمقراطية المغشوشة في الانتخابات المحلية لسنة 2002 من التزوير المفضوح إلى التزوير الذكي، وهي نفس السياسة التي سادت أجواء الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 حيث تم إقصاء المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من السباق بدعوى أنه لا يملك شهادة المساهمة في حرب التحرير، وصولا إلى الانقلاب على دستور 1996 في نوفمبر 2008، وتعديل المادة المقيدة للعهدات الرئاسية بعهدتين فاتحة بذلك أبواب الرئاسة أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مدى الحياة.
قراءة سريعة في النسب المعلنة:
إذا كانت نسبة الأصوات 90,24 بالمائة التي على إثرها فاز الرئيس القديم الجديد السيد عبد العزيز بوتفليقة بولاية ثالثة لا يعتبرها الكثير من المتتبعين مفاجئة نظرا لعدم وجود منافسين من الحجم الكبير وللإمكانيات المادية غير المتكافئة التي أظهرت مرشح النظام وكأنه ينافس ظله.
إلا أن نسبة المشاركة المعلنة والمقدرة بـ 74 بالمائة هي التي اعتبرها معظم الجزائريين استخفافا بعقولهم ولا يمكنهم تصديقها أبدا، لأن هذه النسب لا يمكن تحقيقها حتى في الديمقراطيات العريقة ناهيك عن خلو هذه الانتخابات من عناصر المنافسة والتشويق التي تدفع بالمواطن الذهاب إلى صناديق الاقتراع على اعتبار أن الرئيس المترشح عبد العزيز بوتفليقة قد عبّد له طريق للعهدة الثالثة ابتداء من عهدته السابقة سنة 2004، بإزاحة كل من تسول له نفسه أن ينافسه على هذا المنصب ولو كان من أقرب الأقربين وإظهاره على أنه هو من أعاد الحياة إلى الجزائر منذ مجيئه سنة 1999، حتى يخيل لك أن هذه الجزائر اكتشفت في تلك السنة، فضلا عن غلق المجال السياسي والإعلامي بقمع الحريات وعدم السماح بإنشاء أحزاب سياسية، والإبقاء على حالة الطوارئ رغم اعتراف السلطة بتحسن الوضع الأمني وتحقيق المصالحة الوطنية.، وقمع كل محاولة لإنشاء نقابات مستقلة خرقا للدستور الذي يبيح التعددية النقابية والحزبية ، والعمل على تفجير الأحزاب السياسية من الداخل علمانية كانت أم إسلامية، تارة بالتهميش وتكميم الأفواه وتارة أخرى بشراء الذمم بالمناصب والامتيازات المادية وتقريب ذوي الجهة والعشيرة على حساب الكفاءة، وهو حرق للمادة 21 من الدستور التي تنص صراحة على أنه "لا يجوز استعمال السلطة في مؤسسات الدولة كمصدر للثراء ولا وسيلة للمحسوبية والجهوية والإقطاع".
شكك معظم المترشحين في رئاسيات 2009 في هذه النسبة وعلى رأسهم السيدة لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال التي احتلت المرتبة الثانية بنسبة 4,23 بالمائة حيث صرحت في ندوة صحفية "بأن التزوير شامل و التجاوزات في جميع ولايات الجمهورية" مارسه أعوان الإدارة و بأنها رفعت ألاف الطعون إلى المجلس الدستوري ، و قالت بان أعوان الإدارة قاموا بذلك تملقا للرئيس المترشح و فهموا قول بوتفليقة " أريد أغلبية ساحقة على أنه سحق لضمائر الشعب الجزائري" ، و شبهت الوضع " بنفس ما كان يمارس في فترة الحزب الواحد" و رفضت لويزة حنون نسبة 74% التي تخص المشاركة الشعبية و قالت بأنها لا تتجاوز 50 % ، كما لفتت الانتباه إلى أن " التجاوزات التي حصلت أنقصت من مصداقية الرئاسيات ، و جعلتنا نشبه حالة الجزائر يوم الخميس بجمهوريات الموز" .
و صرح من جهته السيد جهيد يونسي الأمين العام لحركة الإصلاح الوطني، الذي أحتل المرتبة الرابعة ب %1,37 من أصوات الناخبين " بان التزوير وقع في كامل ولايات البلاد بلا استثناء و أنه يمتلك عشرة محاضر رسمية تثبت وقوع تجاوزات خطيرة في عدت ولايات البلاد مثل تيباز، الجزائر العاصمة و المسيلة و قسنطينة" و أشار بأن بوادر التزوير لصالح " مرشح النظام" طهرت طهر الخميس عندما شرع في طرد المراقبين و ممثلي المترشحين مستدلا بوقائع ضرب و تعد جسدي على أنصاره و أكد السيد يونسي بأنه يحوز على إثباتات بان الإدارة قامت بملء الصناديق لفائدة مرشح النظام و رفض هو الأخر نسبة المشاركة المعلنة من طرف وزير الداخلية و قال أنها لا تتجاوز 25 % .
أما السيد فوزي رباعين رئيس عهد 54 و الذي جاء في المرتبة الرابعة ب 0,93 بالمائة، فقد قال بان الفوز الكاسح لبوتفليقة يجعل الجزائر ترحب " بالملكية" و يدعو لنقاش حقيقي حول صحة الأرقام المعلن عنها و قال أيضا " الجزائر اليوم تودع مبادئ نوفمبر و ترحب بمملكة بوتفليقة الذي يذكرنا بالزعيم الإفريقي بوكاسا" و قال بشان الملاحظين الدوليين الذين قدموا من الجامعة العربية لمراقبة الانتخابات بنسخة للأنظمة العربية.
من جهته قال السيد عبد الله جاب الله الذي قاطع الانتخابات الرئاسية و اعتبرها " كذبة كبرى يتعاون النظام و أولياؤه من أحزاب و جمعيات و منظمات و إعلام على الترويج لها"، و ردا على سؤال حول نسبة المشاركة القوي قال عبد الله جاب الله أن معطيات استقاها خلال يوم الاقتراع من مناضليه في ولايات كثيرة تؤكد غياب شبه كلي للمواطنين عن مكاتب التصويت ما عدا المكاتب التي كانت مجاورة للثكنات و بعض المكاتب المعزولة التي شهدت بعضا من الإقبال النسبي و قال أن نسبة المشاركة لا يمكن أن تتعد في أحسن الأحوال 20% .
كيف تجري عملية التحضير للانتخابات من وراء حجاب:
لقد اكتسبت الجهات المشرفة على تنظيم الانتخابات احترافية كبيرة في تزويرها زيادة على أن العملية في حد ذاتها جد معقدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الهائل لمراكز التصويت (47000مكتب) الموزعة على مساحة الجزائر إضافة إلى الجالية الجزائرية في أوروبا وأمريكا والشرق الغربي الذي يشمل أكثر من 20مليون ناخب، نجد على رأسها ظاهريا اللجنة الوطنية المكلفة بالانتخابات التي يترأسها الوزير الأول أحمد اويحيى لكن في الواقع هذه اللجنة شكلية مثلها مثل لجنة المراقبة والدليل على ذلك الدور الذي قام به الوزير الأول في الحملة الانتخابية دون التفرغ بتاتا في كيفية ضبط العملية الانتخابية، حيث ترك مهمته لغيره، المهمة يقوم بها جهازي الأمن و الولاة. جهازا الأمن يمثلان النواة الصلبة في المعادلة، فقدرتهما على جمع المعلومات تعطي لهما كل الصلاحيات في ضبط العملية بدقة من بدايتها إلى نهايتها. ثم يأتي دور الولاة الذين يمثلون الدولة الفعلية وفي المرتبة الثالثة رؤساء الدوائر ثم رؤساء البلديات في المرتبة الأخيرة.
ظاهريا إذن الأحزاب تراقب واللجنة تراقب والمواطن يراقب و الموفدون الدوليون يراقبون، لكن الواقع غير ذلك.
نذكر جميعا كيف تمت عملية حشو الصناديق في رئاسيات 1995 وتشريعات 1997 عندما رسم"الرجال الواقفون" كاريكاتير للعملية الانتخابية بحكم القوة التي كانت بين أيديهم .
الوضع لم يتغير كثيرا في الشكل والمضمون، حيث تشرف مصالح الأمن على جميع المراحل دون إهمال أي جانب ليأتي الولاة فيوظفون صلاحيتهم في إبعاد الفضوليين عن الطبخة الانتخابية فيجمعون الأرقام ويحولونها إلى الداخلية ثم يقوم وزير الداخلية بإملاء النتائج، ويعطيها المجلس الدستوري طابعها الرسمي.
وهكذا يقوم المزورون في غرفة محصنة بالاستيلاء على الإرادة الشعبية مع سبق الإسرار و الترصد.
النظام المبني على مبدأ "لا أريكم إلا ما أرى" لا زال قائما:
إن النتائج الرئاسية إن ذلت على شيء فإنها تدل على إن النظام القائم على مبدأ"لا أريكم إلا ما أرى" لازال قائما مند الاستقلال حيث انحرف آنذاك بتضحيات الشعب الجزائري المجاهد الذي واجه الاستعمار الفرنسي وقدم أزيد من مليون ونصف مليون من الشهداء من اجل استرجاع سيادته كاملة غير منقوصة و المعلنة في بيان أول نوفمبر و المتمثل في قيام "جمهورية جزائرية ديمقراطية شعبية على أساس المبادئ الإسلامية" وكرست هذا المبدأ المادة الثانية من الدستور حيث تنص على أن" الإسلام دين الدولة".
إن ما يمكن استخلاصه أيضا من هذه النتائج بأن النظام لا يقبل إلا الديمقراطية التي يضع قواعدها و يتحكم في الأحزاب التي تنشطها وهامش الحرية التي بإمكانها التحرك فيه، و يقوم باختيار حتى المنافسين الذين يتنافسون مع رموزه ولا يقبل النتائج إلا التي تمكنه من البقاء في السلطة، إن النظام الجزائري يريد فرض "الديكتوقراطية" إذا صح هذا المصطلح. بمعنى أن النظام يريد أن يكون هو الخصم والحكم في وقت واحد.
النتائج التي أعلنها السيد نور الدين يزيد زرهوني وزير الدولة وزير الداخلية، تؤكد بان السلطات متوجهة إلى الغلق المحكم للساحتين السياسية و الإعلامية، كما تؤكد بان الجزائر بعد 20سنة من التعددية خطت خطوة إلى الإمام وخطوات عديدة إلى الوراء، فالنتائج أكدت حنين و عودة الجزائر إلى النتائج المسجلة في بلدان العالم الثالث على غرار تونس و مصر سوريا وغيرها من الدول التي تفتقر إلى أدنى شروط الديمقراطية والحرية ومبادئ احترام حقوق الإنسان.
و مهما كانت درجة ذكاء السلطة في تضخيم نسبة المشاركة و تقديم المبررات التي دفعت الجزائريين إلى التوجه بكثافة إلى مراكز التصويت والحملة الإعلامية المركزة التي شددت على "انجازات عهدتي الرئيس " فانه يصعب على الإنسان العادي و المنطقي أن يهضم أن ثلاثة أرباع الجزائريين صوتوا في هذه الانتخابات لأنها ببساطة أرقام خيالية.
كما أن نتائج الرئاسيات بينت للشارع الجزائري و العربي والعالمي بشكل واضح أن الديمقراطية في الجزائر ليس في مقدورها أن تكون الاستثناء العربي لان العالم العربي لم يعرف حتى الآن أن رئيسا في السلطة يمكن أن يغادرها عن طريق الانتخابات لان هذه الآلية السلمية للتداول على السلطة في عالمنا العربي المغلوب على أمره لها وظيفة واحدة هي تزكية من هو موجود في السلطة ولو بشرعية الديمقراطية المغشوشة، و على حساب الإرادة الشعبية التي هي مصدر السلطة بنص كل الدساتير العربية، وتأجيل فرص التغيير إلى إشعار آخر.
في الأخير اذكر بقول الله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤذوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا " النساء الآية (58 )
ويقول الرسول "صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع"
