بعد بسم الله الرحمّن الرحيم، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمّد المرسل رحمة للعالمين، و نحن على مقربة من تجديد هياكل الحركة، يطيب لي أن أجدد لكم التهاني إثر انتخابكم لعهدة ثانية لرئاسة الحركة، كما أسأل الله عز و جل أن يسدد خطاكم لقيادتها إلى ما يحبه و يرضيه، و يحقق أمال الأمة الإسلامية بصفة عامة، و أمال الجزائريين بصفة خاصة، و أمال و طموحات مناضلي و إطارات الحركة الذين حمالكم مسئولية قيادة سفينة الحركة إلى بر الأمان.
سيدي الرئيس إن الحركة في أمس الحاجة اليوم و بعد ما أصابها من جدل قبل و أثناء و بعد المؤتمر الرابع،لمراجعة أفكارها وخبراتها، في جو صحو لتحطيم صنمية الأفكار الجامدة والطقوس المنحرفة ،ولتتلاقى على كلمة سواء، أما الاستمرار في تضييع الوقت الثمين دون مراجعة، واستمرار الجمود الذي يعشقه الأتباع وتقديس العصبيات التي تشرى وتباع، فلا تفسير لذلك إلا ضعف البصيرة والبصر أو طول الأمل، ولا علاج لذلك إلا بطهارة العقل من سكرات الغفلة وسلامة النفس من شوائب العناد.
إن المراجعات أو النقد الذاتي الذي أدعو إليهما، و أعتقد أن الحركة في أمس الحاجة إليهما اليوم وقبل أي وقت، و لا يقبلا التأجيل، ليسوا متوقفين على تقديم التنازلات للآخر، كما يظن البعض، بل النقد الذاتي هو تقييم للذات وتفتيش عن الأفكار والتطبيقات وتتبع السلبيات فيهما، بحيث نصحح تصوراتنا عنا، في مختلف الحقول التربوية كانت فكرية أو نفسية أو حركية اجتماعية.
سيدي الرئيس كلنا يعلم و أنت أولنا، بأن الاستبداد بالرأي هو جرثومة كل فساد، ولاشك، لأن التقدم مرتبط بالمحاسبة والتخلف مرتبط بالفوضى وتغييب المؤسسات.
إن الحركة في أمس الحاجة إلى القائد الذي يفعـِّل المؤسسات، لأن هناك بعض الذين حققوا أوضاعا اجتماعية تجلب لهم الجاه أو تدر عليهم السمن والعسل وربما مع النقد والتمحيص فقدوا منزلتهم التي نالوها تحت مظلة اللاوعي، لأن السمة الغالبة داخل المجتمع حين يكون التفكير في المادة تصبح هيمنة محبي المال والنفوذ ،الذين يسخرون الأفكار والأشياء لمصالحهم الشخصية، فتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والمواقع، وتسيطر أمور الحظوة لديهم على التفكير الحر حتى لا تترك متسعا للقضايا الكبرى ولا تدع مجالا للإحساس بالتحديات الداخلية والخارجية.
وفي هذا الجو تغيب المؤسسات ليحل محلها الشخص الواحد، والإرادة الواحدة، مع أن عصر الشخص الذي باستطاعته فعل كل شيء قد انتهى وتلاشى، وقد ولى عصر المصلح الفرد، والمخطط الفرد، والمربي الفرد، اللهم إلا في ديارنا.
سيدي الرئيس إن جل مناضلي الحركة في حاجة ماسة أن تظهر لهم ما مدى كفاءتك و نزاهتك و إخلاصك في تدبير شؤون الحركة، و فدرتك على تجميع الصفوف و توحيدها و السير بها نحو الهذف المتمثل في إقامة الشهادة.
إن المناضلين لا يطلبون منك أن تكون صورة طبق الأصل للشيخ محفوظ نحناح أو الشيخ أبو سليماني رحمة الله عليهما و هذا ليس من حقهم، و لا بمقدورك، بل يريدونك رئيسا للجميع، , و إنما يتفاضلون بقدر ما يتفضلون بالتقوى و البذل و التضحية , و قدوتك في ذلك أئمة الهدى الأولون من أمثال أبى بكر و عمر, الذي قال أحدهم يوم ولى الخلافة( القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخد منه الحق, و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخد له الحق)
إن ما ينتظره منك مناضلي و إطارات الحركة الغيورين عليها، هو:
إحداث التغيير الحقيقي وبناء مؤسسات وربطها بجملة من الشروط التي تحميها من الوقوع في الممنوع والمحظور، حيث بقدر اتساع الحركة تتسع جبهات التحدي حولها.
إعادة الانسجام داخل الحركة والعودة بها إلى الصفات التي حرص رئيسها السابق المرحوم الشيخ محفوظ نحناح أن تكون وثيقة الصلة بها والمتمثلة في التسامح، التصالح، الرحابة، الاستيعاب والابتعاد كل البعد عن أجواء المشاحنات والتجاذبات على أن يكون الحوار سبيلا لتسوية كل اختلاف.
إعادةالنظر وبصفة جادة في سياسة التنمية البشرية داخل الحركة، وإعادة الاعتبار للإطارات والمناضلين المخلصين والنزهاء والأكفاء الذين اصطدمت طموحاتهم ورغباتهم الصادقة في العمل والإخلاص للمشروع بعقلية بعض قياداتهم الاستبدادية والانتهازية.
إنكم مطالبون سيدي رئيس الحركة، بفتح نقاش واسع، والقيام بعرض حال مؤسسات الحركة من القمة إلى القاعدة والوقوف على مكامن الخلل، ووضع الحلول الناجعة، وكذا وقف ظاهرة الحجر على أفكار المناضلين المخلصين الذين انكمشت إرادتهم أمام المستبدين وصرف هذه الطاقات وفسح المجال أمامها نحو الأفيد، ومعالجة ظاهرة التفكير بالنيابة عن الآخرين والوصاية على عقولهم وذلك بفتح قنوات الحوار والنقاش معهم، وتحسسيهم بأنهم شركاء في اتخاذ قرارات الحركة، لأن التفكير بالنيابة فيه امتهان لعقول المناضلين لا يليق أن يوصف به العاملون في الحركة، فهذا يعني تجميد عقل المناضل ورفض ابتكاراته والتهوين من أمره.
إنه يقع على عاتقكم سيدي رئيس الحركة، و في أقرب الآجال،وضع حد لظاهرة تسلل وتسرب "عن غفلة من رقيب" عدد كبير من الانتهازيين والفتانين والمفرقين للجماعة، الذين شوهوا وجه الحركة واتخذوا من مناصبهم أداة لتحقيق مآرب شخصية على حساب المصلحة العامة.
كما نناشدكم الإسراع في وضع سياسة واضحة اتجاه الشباب وتقليده أدوار قيادية داخل مؤسسات الحركة وإشراكه في اتخاذ القرارات ووضع الخطط والمناهج التي يراها صالحة لعلاج مشاكله المختلفة كالبطالة، الهجرة غير الشرعية "الحراقة"، المخدرات... الخ، حتى نجعل من شباب الحركة نماذج يقتدي بها بقية الشباب الجزائري.
هذه سيدي رئيس الحركة بعض المسائل التي رأيت بأنه من واجبي كمناضل و إطار من إطارات الحركة، أن أضعها بين أيديكم مستخدما واجب النصح، مصدقا لقول الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) حيث قال: (الذين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله و لرسوله، و للأئمة المسلمين و عامتهم )
و نبقى دائما و أبدا سائرين معا نحو الهذف و الله أكبر و لله الحمد
الجزائر في 27 جوان 2008الموافق ل 23 جمادى الثاني 1429 هجري
قبل الإجابة على هذا السؤال، لابد من العودة إلى الوراء و بالضبط عندما غادر السيد أحمد أويحي رئاسة الحكومة في فيفري 2006 م، حيث صرح أنادك السيد جمال ولد عباس وزير التضامن في حكومة السيد أحمد أويحي، بان السبب الرئيسي في إقالة السيد أحمد أويحي هو حلمه منافسة السيد رئيس الجمهورية في الترشح لرئاسة الجمهورية، و كلنا يعلم ما هي مكانة السيد جمال ولد عباس عند رئيس الجمهورية، و وصف السيد أحمد أويحي السيد جمال ولد عباس بعبارة " باب نوال"، فما الذي تغير اليوم ليعود السيد أحمد أويحي معززا مكرما لرئاسة الحكومة، معلنا بأنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في أداء مهامه كرئيس حكومة، و لن يكون مجرد منسق كما كان الحال بالنسبة للرئيس المقال السيد عبد العزيز بلخادم، الشيء المؤكد و الذي أشار إليه جل المحللين، أن جناح المؤيد للسيد أحمد أويحي داخل النظام عاد بقوة، كما أن هنالك مؤشرات توحي بان السيد رئيس الجمهورية غير راض على هذا التغيير، و قبله على مضض، و بأن القرار أتخذ في دوائر ضيقة في سرايا النظام، و يجمع الكثير من المحللين بأن زيارة رئيس الحكومة الفرنسية"فرنسوا فيون" قد ألقت بظلالها على السياسة الداخلية للجزائر.
و المؤشر الذي يدل على عدم رض رئيس الجمهورية بهذا التغيير، استغنائه عن بروتوكولات تقديم الاستقالة و التكليف، كما هو منصوص عليه في المادة 79 من الدستور، حيث يقوم رئيس الحكومة الجديد بتقديم أعضاء حكومته لرئيس الجمهورية للموافقة و التعيين، يبد أن جناح السيد أحمد أويحي قد حضر طبخته بطريقة محكمة، الشيء الذي فجاء حتى السيد عبد العزيز بلخادم الذي زحزح من منصبه و هو الذي كان متيقنا من بقائه في منصبه، ناهيك عن وزراء الحكومة الذين وجدوا أنفسهم كالأطرش في الزفة، و آخر من يعلم بخصوص التعديل الحكومي وفق ما صرح به السيد مقري نائب رئيس "حمس".
المهام التي عاد من أجلها السيد أحمد أويحي:
و تنحصر حسب رأي في مهمتين أساسيتين و هما
1) تمثيل الجزائر بمناسبة تأسيس الإتحاد المتوسطي:
تصريحات السيد أحمد أويحي سواء قبل أو بعد توليه رئاسة الحكومة توحي بأنه هو من يمثل الجزائر يوم 13 /07 /08 بباريس، معللا بأن مصلحة الجزائر هي من ستحدد مشاركتها في الإتحاد المتوسطي ، و بأننا نحن الجزائريين لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين و بان السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية سيكون حاضرا، و ليس لديه عقدة من الجلوس على نفس الطويلة مع رئيس الكيان الصهيوني إيهود أولمرت ، و يرى جل المتتبعين بأن الجلوس على نفس الطويلة مع الكيان الصهيوني هو بداية التطبيع ، و قد باءت جل المحاولات السابقة للتطبيع بالفشل و قبلت سوى من الرسميين في الدولة الجزائرية أو من المعارضة و المجتمع المدني بالرفض، و كانت حركة "حمس" هي من تقود هذه المعارضة ، غير أن الرأي العام استغرب هذه المرة سكوت القيادة الجديدة في "حمس" عن ملف الإتحاد المتوسطي ، رغم أن هذا الملف يحمل في طياته ما يحمل من خطورة إن على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، مع العلم أن ليبيا قد رفضت المشاركة في الإتحاد المتوسطي و جاء هذا على لسان رئيسها السيد معمر القدافي بسبب وجود الكيان الصهيوني، و أعتبرها محاولة من الدول الأوروبية و على رأسها فرنسا جر الدولتان المغاربيتان اللتان ليس لهما علاقة مع الكيان الصهيوني و هما ليبيا و الجزائر إلى الجلوس في نفس الطويلة كمؤشر على بداية التطبيع.
2) الترشح لرئاسة الجمهورية:
تتمثل المهمة الثانية في تجسيد حلم السيد أويحي ، و هو الترشح إلى رئاسة الجمهورية كممثل للنظام، في حالة ما تعذر ترشح رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثالثة، و هذا ما أشار إليه في الندوة الصحفية الأخيرة عندما قال بأنه لن يترشح للرئاسيات إذا ترشح السيد رئيس الجمهورية، و هي أول مرة يصرح فيها مسئول من هذا المستوى على فرضية عدم ترشح السيد رئيس الجمهوريةلعهدة ثالثة، و قد لاحظ جل متتبعي الساحة السياسية أن الحملات و المهرجانات الداعية رئيس الجمهورية للترشح لعهدة ثالثة قد توقفت في الآونة الأخيرة، و بدأت تتسرب للرأي العام عدم إمكانية ترشح رئيس الجمهورية لعهدة ثالثة بسب المرض، يبد أن الفاعلين في النظام حيث لم يبقى إلا سنة على الانتخابات الرئاسية قد فصلوا في القاضية و أعلنوا عن مرشح النظام و لن يكون حسب رأي إلا السيد أحمد أويحي ، غير أن هنالك أطراف أخرى تطرح فرضية ثانية ، و هي في حالة ترشح السيدرئيس الجمهورية لعهدة ثالثة ، سيتولى السيد أحمد أويحي منصب نائب رئيس الجمهورية، و في حالت حدوث تدهور في صحة رئيس الجمهورية أثناء أدائه لمهامه، يكون السيد أحمد أويحي جاهزا لخلافته في منصب رئيس الجمهورية، و في الفرضيتين يكون السيد أحمد أويحي قد حقق حلمه.
و الشيء الذي يجب الإشارة إليه هو الضربة التي تلقتها مرة أخرى ما تبقى من الممارسة الديمقراطية حيث أنه لا السيد عبد العزيز بلخادم المقال قدم بيان السياسة العامة و لا السيد أحمد أويحي رئيس الحكومة الجديد القديم سيعرض برنامجه أمام البرلمان بحجة أنهما يطبقان برنامح رئيس الجمهورية ضربين عرض الحائط بالإرادة الشعبية التي هي أساس السلطات و من واجب ممثلي هذا الشعب القيام بمراقبة الحكومة.
بعد التعديل المفاجئ الذي أعاد السيد أحمد أويحي على رأس الحكومة، تسأل الرأي العام على من يحكم في الجزائر؟ و ما هي الأسباب التي عجلت بهذا التغيير الذي لم يكن متوقعا لاسيما على هذا المستوى، حيث أن جل تصريحات رئيس الحكومة السابق كانت توحي بأن تغيير و شيك سيقع في الحكومة و نفى أن يكون منصبه مستهدف، كما تسال الرأي العام هل للزيارات المتتالية للمسئولين الفرنسيين، أثر في هذا التغيير و أخيرها زيارة رئيس الحكومة الفرنسية التي صبت جلها حول مشروع الإتحاد المتوسطي، الذي صرح في حوارات لجريدتي الوطن و الخبر بأن الجزائر ستشارك بأعلى مستوى من المسئولية في اللقاء التأسيس، الذي سيحضره رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بينما جاءت تصريحات المسئولين الجزائريين متضاربة بين رافض بسببغموض المشروع و وجود الكيان الصهيوني و كان هذا تصريح لرئيس الحكومة السابق عبد العزيز بلخادم، بينما جاء تصريح السيد أحمد أويحي مرحبا بالمشروع و مطالبا بتكسير الطابوهات و أن سبب و جود الكيان الصهيوني ليس عائق لمشاركة الجزائر، و أنه لا يمكن للجزائر أن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين، بينما لم يتبين ٍللرأي العام موقف الشريك الثالث في الائتلاف الحكومي حركة مجتمع السلم الذي ألتزمت قيادته الصمت إزاء هذا المشروع، و جاءت تصريحات نائب رئيس حركة مجتمع السلم السيد مقري الذي قال بأن أحدا من وزراء الحركة بما فيهم رئيس الحركة لم يكون على علم بهذا التعديل معاكسة لما صرح به السيد أبو جرة سلطاني وزير دولة بدون حقيبة عندما برر وجوده في الطاقم الحكومي بأن له فوائد للحركة منها تزويدها بمعلومات تصدر في أعلى مستوى في الدولة، كما أعتبر الرأي العام بصفة عامة و مناضلي حركة مجتمع السلم بصفة خاصة، بأن السيد أبو جرة سلطاني لم يفي بتعهداته، حيث أحتفظ هذا الأخير بوجوده داخل الطاقم الحكومي بدون حقيبة، على عكس تعهداته السابقة بين يدي المؤتمرين الحمساويين عندما ألتزم بالتفرغ النهائي لقيادة حمس
و نحن على مقربة من الاحتفال بذكرة وفاة الشيخ محفوظ نحناح ( رحمه الله)، رائد الحركة الإسلامية في الجزائر، و حامل لواء فكرة شمولية الإسلام، و تتمة لاستخلاص العبر و الدروس من المؤتمر الرابع، مراجعة للذات من أجل القيام بإصلاح البيت الداخلي، لا يسعني إلا أن أضع بين يدي إخواني الجزء الثاني من سلسلة الدروس و العبر، و الذي أتطرق فيه إلى معاير و صفات" القائد الرباني و السياسي المحنك"، كما علمني إياها الشيخ الراحل محفوظ نحناح ( رحمه الله)، و قد تطرقت في إحدى مساهمتي التي بعت بها إلى لجنة تحضير المؤتمر الرابع، و نشرت في جريدة الشروق، أشرت فيها إلى ضرورة وضع المعاير و الصفات التي على رئيس الحركة أن يتصف بها، و التي على أساسها يتم اختياره، من هذه الصفات ما هو شرعي و منها ما وصلت إليه التجارب البشرية، لأن الحكمة ضالة المؤمن أين و جدها فهو أولى بها.
(1المسئولية الشرعية لقيادة الحركة
الكلام عن المسئولية الشرعية لقيادة الحركة تعود بنا الذاكرة لمواقف الأوائل من قادة السلف الصالح الدين أدركوا كم هي ثقيلة تلكم المسئولية , و التي أشار إليها الرسول (صعسم) بقوله " إنها لأمانة و إنها يوم القيامة لخزي و ندامة إلا من حملها بحق" الحديث .
و هنا لبد من لفت الانتباه إلى بعض المفاهيم المغلوطة تسللت إلينا و علينا, كما تسلل ما يسمى ( ديمقراطية الإسلام) و ( اشتراكية الإسلام ) و هي إن القيادة في الإسلام جماعية , طنا من أصحابها إن إلزامية الشورى من شأنها أن تجعل القيادة جماعية , و بذلك تذيع المسئولية القيادية , حيث يصبح كل عضو من أعضاءالمجالس القيادية قائدا, مما يفتح بابا لا يغلق لنشوء مراكز القوى , و صراع الرءوس و الرئاسات, فضلا عن بروز قيادة ظل يكون لهل من الهيمنة على القرار ما لا يكون لقيادات العلن.
ما يجب التأكيد عليه هنا , هو أن مسئولية رئس الحركة الشرعية عظمى لا تماثلها مسئولية أخرى, ومن أجل ذلك كان الموقف النبوي من هده المسئولية صارما جازما, حيث قال ( إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظه أم ضيعه).
ولقد حرص الإمام الشهيد حسن البنا ( رحمه الله) على تبين مسئولية القائد و القيادة تحديدا في تربية القاعدة و الأفراد على المنهج المعتمد, فهو يقول في المذكراتص 131 ( لا ينفع في بناء الجماعة إلا ما بنت القيادة بنفسها, أو بجهود الإخوان الذين يرون القيادة معهم شركة في التهذيب و التعليم, و لهذا فكل فرع أنشئ بغير أسلوب القيادة لا ينفع كثيرا).
إن استشعارا لقائد لهده المسئولية تجعله يعيش هم من يقود و يسوس و يرعى, فهو يحرص على العدل بين الرعية, و ينأى عن مظنات الظلم أو الانحياز, فالجميع أمامه سواء, و إنما يتفاضلون بقدر ما يتفضلون بالتقوى و البذل و التضحية , و قدوته في ذلك أئمة الهدى الأولون من أمثال أبى بكر و عمر, الذي قال أحدهم يوم ولى الخلافة( القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخد منه الحق, و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخد له الحق)
في ضوء ذلك لم يعد غريبا ما سجله الفاروق عمر ( رضي الله عنه و أرضاه) حيث قال فور انعقاد تبعات الخلافة عليه ( ليت أم عمر لم تلد عمرا) و قال ( ليتني كنت هذه البعرة, ليتني كنت نسيا منسيا).
2 ) حاشية القائد و المقربون منه
إن مدخل الفساد و باب الإفساد الأكبر أن لا يهتم القائد بنوعية حاشيته و المقربين منه، و أن لا تكون لديه موازين شرعية في عملية الاختيار، و أن يترخص في مساءلة هؤلاء و محاسبتهم.
إن ما نفتخر و نعتز به في تاريخنا الإسلامي المجيد تلكم المواقف القدوة التي سجلها القادة حيال سقطات المسئولين و الأتباع و أفراد الحاشية القيادية، و هو ما يجب أن يحتذي به.
ما أحوج قيادة الحركة الإحتداء بموقف كموقف المكلف بالجباية في عهد الرسول (صعس)، و الذي سمح لنفسه بقبول هدية قدمت له خلال عمله الوظيفي ، و قال: ( هذه لكم، و هذه أهديت إلي)، حيث أنكر عليه القائد فعلته، و قال: ( أفلا قعد في بيت أبيه و أمه فنظر هل يهدى إليه ام لا ؟)، إن تقريب القائد لضعيفي الإيمان مهزوزي الإلتزام طالما أنهم يوالونه و يؤيدونه، و إبعاده للأتقياء لأنهم يعارضونه و يصدقونه المشورة و النصح لهو صارخ على فساد في شخصيته و ضعف في عقيدته و زغل في طويته. المطلوب من القائد أن يحرص على تقريب أهل المعرفة و الدراية و الورع من الذين عرفوا زمانهم فاستقامت طريقتهم، مصدقا لقوله تعالى: ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) (القصص 26)، و هي القاعدة الفضلى و المثلى في اختيار المساعدين و المكلفين و الموظفين في شتى الظروف و الأحوال. و من نتاج سوء اختيار القائد لحاشيته أنه سيناله نصيب من فسادهم، سواء مما يشيرون عليه من سوء أراء و أفكار، أو فيما يمارسنه من جهالات، كما سيؤدي ذلك إلى بعد الصالحين المؤهلين عنه، تحاشيا لما يمكن أن ينالهم منه أو من حاشيته من سوء؟
3) عدم اهتمام القائد لخسارة إخوانه و انقضاضهم من حوله
كم هي مسئولية القائد الشرعية كبيرة ظاهرة انفضاض المقربين و الأتباع من حوله، و تساقط أعضاء التنظيم في عهده، ثم هو لا يبالي و لا يأبه و لا يسارع إلى دراسة المشكلة و بالتالي إلى معالجتها قبل أن تستفحل و تأتي على الصف كله. و لكمهي اللفتة القرآنية معبرة و صارخة التي تشير إلى صفة من صفات الرسول (صعس) من خلال قوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) (التوبة 128) إنه حرص القائد على جنده من أن ينالهم سوء أو تنزل بهم نازلة، فهو بتعهدهم بالرحمة و يأخذهم بالرأفة ( و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )(آل عمران159) أين هؤلاء القادة الذين تبلد حسهم، و مات شعورهم، و تعطل مؤشر الإحساس بالمسئولية لديهم ومن أولئك الذين كانوا يخافون من أن يسألوا عن ناقة تعثرت في العراق، كما كان حال عمر(رضي الله عنه) حيث قال: ( و الله لو تعثرت ناقة في العراق لكان ابن الخطاب مسئولا عنها )، أين هؤلاء من حديث الرسول (صعس) حيث يقول: ( إن الله يسأل عن عشرة ساعة )، بينما نحن نذبح بدون أسى و دموع، أناسا عاشوا معنا ألف ساعة أو عمرا بأكمله. إنها كارثة قيادية و مأساة تنظيمية أن لا نهتم و نسأل عمن غادرنا، لم غادرنا؟ وعمن انقطع عنا، لم انقطع عنا؟ وعمن خصرناه و افتقدناه لم حصل معه ذلك؟ عجيب بل غريب أن لا يتبادر إلى دهننا أننا قد نكون السبب، و أن نكون نحن السبب ثم لم نبادر إلى العلاج و أن نكون من وراء قطع الرحم الأخوية و الدعوية و الحركية، ثم لا نبادر إلى صلة الرحم هذه، هذا يعني أننا نقطع أرحامنا، و نحن نعلم أن جزاء قاطع الرحم أن يقطعه الله، حيث يغري العداوة و البغضاء في الصف، فتتمزق الأواصر، و يحل الشقاق، و تقع المحنة و المصيبة و العياد بالله .
4) القائد و تشكيل المجالس القيادية
كيف ينبغي أن يتعامل القائد حيال مهمة تشكيل المجالس القيادية؟
هل يختار الأفضل و الأكثر جدارة و أهلية، و لو لم يرق له التعامل معه لجرأته في قوله الحق و لصلابته في مناقشة الأمور؟
أم أنه يختار الأسهل انقيادا، و الأقل عناد، و الأضعف مناقشة؟
إن المجالس و الأجهزة القيادية يجب إثراؤها بأهل الرأي، و لو لم يكونوا من رأي القائد، و كلما تعددت المواهب القيادية، و تنوعت الآراء و تباينت في قضية واحدة، كلما كان القرار حكيما، و كان الصف ملتئما و الجمع منسجما. إن الحرص على الرأي الآخر و لو كان مخالفا ظاهرة صحية في الحركات، و علامة جيدة في القيادات و هذا ما كان عليه الرسول (صعس) المؤيد بالوحي، و الذي لا ينطق عن الهوى، فكيف بحالنا إذا ما تحكمت الأهواء، و سارت المصلحة و فشا فينا الداء الخبيث، و المرض العضال ( إعجاب كل ذي رأي برأيه) و لكم أن تقارن بين هذا الكلام و ما قامت به قيادة الحركة عند تشكيل المكتب الوطني و المستشارين إلا من لون واحد بدعوة الانسجام
5) القائد و تعدد المواقع و المسئوليات
من المشكلات القيادية و التي و وقعت فيها الحركة، أن يكون القائد مولعا بالمسئوليات في أكثر من مؤسسة و منظمة، فيكون مسئولا عن مؤسسات تربوي و مالية و دعوية و حركية و سياسية و اجتماعية و غيرها؟ و النتيجة (المأساة) أنه لن يعطي واحدة من هذه المسئوليات حقها، و سيكون تقصيره على حسابها، دون أن يعفى من المسئولية الشرعية، و قد تكون عظيمة و كبيرة. المسئوليات في الإسلام ليست أوسمة يتباهى الإنسان بوضعها على صدره، فهي قاصمة للظهور إن كانت للمبهات و هي مصيبة كبرى إن كانت بسبب عدم المبالاة، و هي خيانة عظمى إن كانت هروبا من تبعات المسئولية الحقيقية.، إن الإنسان بسبب أنه خلق ضعيف و أنه غير قادر على أن يملك قلبين في جوفه، و أن هذا العصر عصر اختصاصات، و أنه عليه أن يعرف حده فيقف عنده، إنه بسبب ذلك و غيره وجب عليه و بخاصة إن كان قائدا، أن يتولى من المسئوليات ما يطيق، و ما هو بمقدوره، و ما هو بارع فيه، و ما هو أولى من سواه، و إلا كان من هواة جمع الألقاب، و نعود بالله أن نكون أو يكون أحدنا من هذا النوع من الناس. ثم إن هذا المرض إذا أصاب القائد، لجاء حيال أعباء المسئوليات الملقاة على عاتقه إلى سياسة التفويض، فيفوض هذا و ذاك ممن لا جدارة عندهم فيقلبون الأمور رأسا على عقب، و يكون هو الأكثر مسئولية و وزرا منهم.
6) الشفافية القيادية
و ثمة قضية مهمة يجدر بالقائد المسلم أن لا يغفل عنها، أو يتهاون فيها، لأنها تحمل من المخاطر ما لا يحده وصف و لا يخطر ببال، إنها الشفافية التي يجب أن يتمتع بها قائد الحركة، و البعد على كل ما يمس أمانته، و يخدش كرامته من تصرفات مادية و معنوية, يجب على القائد أن ينأى بنفسه عن دوائر الشبوهات عموما، و المالية منها على وجه الخصوص، أو الوقوع فيما يمكن أن يقع فيه الآخرون من تصرفات و أعمال نفعية، لا يجوز أن يكون له نصيب في مشاريع تجارية تخص التنظيم، أو أن يكون مسئولا أو شريكا عن حساب مالي تابع للتنظيم، كما يتحاشى قبول أية مبالغ مالية سواء كانت مخصصة له شخصيا أم للتنظيم. القائد يجب أن يحافظ على طهارة نفسه و بياض كفه، و نصاعة سجله أكثر من محافظة العذراء على بكارتها.
يؤثر على الأستاذ حسن الهضيبي (رحمه الله)، و كان يومها مستشارا قضائيا كبيرا، أنه لمح أحد أبنائه، و كان طفلا صغيرا، يتناول ورقة من مكتبه في قصر العدالة، فقال له (هذه الأوراق ليست لنا يا بني، إنها ملك الدولة)، ثم أخرج من حقيبته ورقة بيضاء فقال له: ( يمكنك التصرف في هذه لأنني اشتريتها من مالي الخاص)، لكم انهارت هامات، وسقطت مقامات، و اهتزت قيادات بسبب تساهل في تصرف مالي، أو شراكة مادية، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و صدق رسول الله (صعس) حيث يقول: ( رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه)، و هذا يطال عموم المسلمين فكيف بالقياديين و الخاصة، و خاصة الخاصة؟
7) إصلاح الأقربين قبل إمامة المتقين
الإصلاح في الإسلام منهج تغييري شامل الجوانب، متكامل الحلقات، متعاقب الخطوات، محدد المراحل لا تتحقق جدواه بعيدا عن هذه الاعتبارات جميعا ؟
و عندما يعتري المشروعالإسلامي تعثرا أو فشل أو إخفاق يكون السبب اختلال هذه المعاير، و اهتزاز تلكم الاعتبارات، و عدم احترام الأولوية في سنة التغير ؟
و القائد المسلم يجب أن يعي معادلة الإصلاح بدقة و هو يقرأ قوله تعالى: ( و الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماما) ( الفرقان 74)، نجد أمامنا خطوتين أساسيتين لا مناص منهما في عملية الإصلاح:
-الأولى: تتصل بإصلاح النفس و الأقربين
- الثانية: تتعلق بمهمة إصلاح المجتمع و الآخرين
ففي ضوء السياق القرآني تتجلى و تتأكد أولوية التغيير، و أنه لابد من البدء بقوامة و إصلاح الأسرة و المحيض الضيق، ليتحقق من خلال ذلك نشوء درية صالحة تقر الأعين و تثلجالصدور، و هو ما يجليه الشطر الأول من الآية : ( ربنا هب لنا من أزواجناو ذرياتنا قرة أعين)، و لتليها بعد ذلك خطوة أكبر و أعم و أشمل ترتقي فيها عملية التغيير من دائرة القوامة إلى دائرة الإمامة، و هو ما جاء في الشطر الثاني من الآية: (و اجعلنا للمتقين إماما)، إن شرط الاضطلاع بإمامة المتقين و الصالحين، هو تحقق الصلاح و التقوى فيمن يتقدم لذلك. لأن فاقد الشيء لا يعطيه، و إلى ذلك أشار الخطاب القرآني ( أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) ( البقرة 44)، و النجاح في الإصلاح العام يجب أن يسبقه و يؤكده النجاح في إصلاح الشأن الخاص، و إلا كانت الخطوة مبعثرة و غير قابلة للنجاح. و هل يكون جدير بتولي إمامة إصلاح الآخرين من فشل في قوامة و إصلاح الأقربين؟
إن القفز فوق الأولويات الشرعية في الإصلاح من شأنه أن يحبط المشروع الإسلامي، و يعطل عملية التغيير على مستوى الأفراد و الجماعات. على هذا سار الأولون فحققوا النجاحات و الانتصارات، و تقلدوا إمامة و قيادة العالم، كان الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يجمع أهله، و يقول لهم: ( إني قد نهيت الناس عن كذا و كذا، و إن الناس ينظرون إليكم، كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، و إن هبتم هابوا، و إني و الله لا أولي رجلا منكم وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم و من شاء منكم فليتأخر) (ابن الجوزي ص 206)، و من روعة ما قاله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب في هذا المعنى كذلك قوله: ( من نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، و معلم نفسه و مهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مهذبهم )
8) القيادة بين المبادئ و المصالح
إنه لابد على قيادة الحركة من التزام المبادئ التي جاء بها الذين الحنيف، و اعتمدها و دعا إليها، و القول بأن الإسلام جاء ليحقق مصالح العباد في الحياة، هو قول سليم و حق لا يرقى إليه شك، و لكن السؤال هنا هو: أية مصالح عناها الإسلام؟ هل هي مصالح التنظيم؟ أم هي مصالح أعضاء التنظيم؟ أم ماذا؟
إنه لابد من دقة و صدقية و تجرد في تعيين المصلحة المطلوبة، لأن الضياع يبدأ من هنا، فتنعدم الرؤيا، و تختلط المصالح، و تسقط المبادئ، و تعم المفاسد، و القيادة معنية على حد كبير و مسئولة قبل غيرها من استشفاف المصلحة المعنية و استكشاف المنفعة المطلوبة. إنه لا يمكن أن توصف مصلحة فردية خاصة، أو مجموعة مصالح شخصية أو حركية بأنها مصلحة إسلامية، بل يمكن أن تكون مفسدة أو مجموعة مفاسد عامة، قد يتحقق لفرد في جماعة أو لمجموعة أفراد أن يحتلوا مواقع رسمية مرموقة في الدولة مقابل تأييد هذه الدولة و موالاتها في مواقفها و سياستها، و قد تكون مواقف الدولة و سياساتها مخالفة لشرع الله، أو في غير مصلحة الشعب، و غير مقدرة للمصلحة الإسلامية العليا، فبأي المصلحتين نأخذ، و بأيها نلتزم و نتشبث، بالرغم من المكاسب و المصالح العرضية العاجلة؟ هنالك العديد من التنظيمات و المجموعات الإسلامية تفتي لنفسها، من خلال نظرتها الضيقة على مصالحة الفئوية الآنية، ما ينعكس سلبا، بل مآس و فواجع على غيرها. و ثمة نقطة مهمة يجب أن تلحظها القيادات الإسلامية في نطاق موازنتها بين المصالح و المفاسد، وهي ما يمكن أن يعتبر مصلحة قد يتسبب في مفسدة، و مطلوب من القيادة أن تتحقق من مآلات المصالح و عواقب المنافع، التزاما بالقاعدة المقررة ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، و أن يكون القول المأثور ماثلا أمام أعينها باستمرار ( دع الشر الذي عليه الخير يربو)، القيادة الإسلامية يجب أن تكون مشدودة باستمرار على تحقيق ما تُمثّل لا إلى تحقيق من تُمثٌّل، و هي حين تحقق مصلحة ما تمثُّل تكون قد حققت مصلحة من تمثّل و ليس العكس أبدا كما قد يتوهم البعض، إن تحقيق مصلحة الإسلام يضمن تحقيق مصلحة المسلمين أو الإسلاميين، إنما العكس قد لا يضمن ذلك على الإطلاق، و الله أعلم.
9) حزم من غير ظلم
و من المواصفات المطلوبة عند قائد الحركة أن يكون حازما من غير ظلم، فالحزم مطلوب والظلم مرفوض، و إن أي خلل في هذه المعادلة يمكن أن يحدث خللا، بل "خلخلة" في الصف، سيئة العواقب و النتائج.
- إن عدم قيام القائد بحسم الأمور، من شأنه أن يعقدها، و يبلغ بها مرحلة اللا علاج و اللا حل.
- تهاونه في حل المشاكل مدعاة لتكاثرها و تشعبها.
- تلكؤه عن أخد المبادرات يفوت الفرص و السوانح التي قد لا تتكرر.
- ثم إن ضعفه و لينه في أمر يستدعي الحزم يهز الثقة في كفاءته و أهليته القيادية, و يشجع المسيء على الإساءة و على الاسترسال في الخطأ، و رحم الله من قال: ( ليكن كلامكم نعم نعم، لا،لا).
إن من بدع هذا العصر أن أدخل على القاموس العربي مفردات لا تعبر عن ثقافة و سلوكية و شخصية هذه الأمة في شيء، من ذلك شيوع التعبير الهابط ( لعم ) الذي يجمع بين نقيضين ( لا و نعم )، إن هذا التعبير يمثل خلاصة الضياع و منتهى الضعف، بل هو يتناقض تماما مع فضائل الوضوح و الصراحة و الحسم، و الحزم، و هذا من أسوأ ما يمكن أن يتصف به الإنسان العادي و كيف بالشخص القيادي.
(10) الانصياع للحق و الاعتراف بالخطأ
من مواصفات القيادة الناجحة الاعتراف بالخطأ، و عدم الإصرار و المكابرة و العناد، إن محاولة القائد الدائمة دفع الكرة إلى ملاعب الآخرين، و محاولة تبرئة نفسه من كل عيب، آفة من آفات القلوب، و مرض خبيث من مرض النفوس، أعادنا الله و شفانا منه. كيف و نحن ننتمي إلى أمة لم يكن رعيلها الصالح على شيء من مثل هذه الظواهر الخبيثة.
-كان أحدهم يلح و يقول: ( رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي ).
-كان شعار قادتهم ( إني وليت عليكم و لست بخيركم، إن أسأت فقوموني ).
-و لم يخجل الخليفة عمر (رضي الله عنه) من أن يقول: ( أصابت امرأة، و أخطأ عمر )
إن عدم الاعتراف بالخطأ يعني أن صاحبه معصوم لا يخطئ، و هذا ما يتناقض مع المسلّمة الإسلامية القائلة: ( كل بني أدم خطأ )، كما تتناقض المكابرة مع القاعدة الشرعية النبوية ( وخير الخطائين التوابون )، و لقد ابتليت بعض الحركات الإسلامية في هذا العصر ببعض القيادات عميت عليها عيوبها و هانت عليها أخطاؤها، مع أنها كالجبال يراها القاصي و الداني، بل إن دليل ذلك باد و ظاهر كفلق الصباح من خلال إخفاقها و فشلها. في زمننا الذي نعيش فيه أقدم كثير من زعماء دول و وزراء حكومات ليسوا بمسلمين و لا إسلاميين، على تقديم استقالاتهم تكفيرا و تحملا لمسئولية أخطاء لم يرتكبوها هم بأنفسهم و لكنها وقعت وحدثت في عهدهم و في ظل مسئوليتهم، إيمانا منهم بأنه لابد من دفع الثمن، فدفعوه بملء إرادتهم و من تلقاء أنفسهم. فأين نحن من صنيع هؤلاء الدين نسميهم بالكفرة، والمغضوب عليهم، وبالضالين.
11) قيادة واعية
من أهم ما ينبغي أن تتصف به قيادة الحركة وعيها الكامل:
-الوعي بشرع الله، و القدرة على أن تنظر من خلاله إلى كل شيء، فالشريعة يجب أن تكون المنظار الذي يحدد و يقوّم التصور القيادي لكل ما يعرض من أمور، مصداقا لقوله تعالى: ( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما ) ( النساء 65).
-الوعي بواقع الحركة التي يقود، لإقبالها و إدبارها، لتقدمها و تأخرها, لضعفها و قوتها، للمشاكل و الأمراض التي تعتريها، ليتمكن من القيام بدوره الشرعي المطلوب منه في كل ذلك.
-الوعي بالواقع التربوي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في بلده، ليتمكن مما تجب متابعته و معالجة ما ينبغي معالجته وفق خطة التنظيم و مشروعه و لوائحه.
-الوعي بالواقع الإقليمي و الدولي، و ما يجري في العالم من متغيرات، و ما يطرأ من ظواهر، و ما يقع من أحداث، على أن يكون ذلك وفق دراسة علمية موثقة، ليبني على ذلك مقتضاه، و حتى لا يكون التعامل مع مجريات الأحداث قائما على جهل، أو تخلف، أو عدم علمية، لأن الله كتب و طلب الإحسان في كل شيء، و رسوله (صعس) ترجم ذلك بقوله: ( إن الله يحب من أحدكم إدا عمل عملا أن يتقنه )
إن كل ذلك و غيره يؤكد مدى أهمية الدور القيادي، و مدى المسئولية الشرعية الملقاة على عاتق رئيس الحركة، و المعلقة في عنقه.
(12) ربانية القيادة
إن شرط نجاح رئيس الحركة في الدنيا، و فلاحه في الآخرة هو ربانيته، فقائد الحركة يجب أن يكون ربانيا، بمعنى أن يكون في المعية الربانية، و الحفظ الرباني، و الرعاية الربانية في شئونه الخاصة و العامة، في المظهر و المخبر، في جوف الليل و هو يصلي و يتضرع، و في زحمة النهار و هو يتدافع في قلب المعركة و هو يجالد و يقارع.
-إن ربانيته تجعل عمله خالصا لوجه الله لا يشوبه شرك و لا رياء.
-إن ربانيته تجعله دائم الطلب لمدد الله و نصره و هداه.
-و ربانيته تدفعه إلى تتبع سقطاته قبل تتبع سقطات الآخرين، و إلى محاسبة نفسه، قبل محاسبة الآخرين، و إلى تحاشي الغفلة و دوام الحضور و إلى أن يستعظم أخطاءه حتى يراها كالجبال، وإلى أن يستصغر أعماله فيندفع للتعويض ممتثلا قول الله ( و لا تمنن تستكثر و لربك فاصبر ) ( المدثر 8-7)
-و الربانية جوهر نجاح القائد و سر فلاحه في جميع أعماله و تصرفاته، فهو رباني الأخلاق و رباني العلاقة، و رباني المعاملة، و رباني التفكير، و رباني التقرير، و رباني التخطيط، و رباني الخطاب و صدق الله تعالى حيث يقول: ( و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، و بما كنتم تدرسون ) (آل عمران 79).
13) مسئولية القيادة عن تميز الحركة
إن الحركة الإسلامية لابد أن تتميز في كل شئونها عن كل الفصائل و الحركات و التنظيمات الأخرى و القيادة مسئولة إلى حد كبير عن تحقيق و ضمان هذا التميز في الصف و القواعد، فأبناء الحركة الإسلامية مطالبون بأن يتميزوا قي عقيدتهم من خلال صفو و سلامة ولائهم لله تعالى عن سائر خلقه و مخلوقاته، مهم عظم شان هذه المخلوقات و علا مقامهم، امتثالا لقوله تعالى ك: ( لا تتولوا قوما غضب الله عليهم )(الممتحنة 13) ( و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)(المائدة 56) و هم مطالبون بصدق اعتمادهم على الله و استعانتهم به التزاما بالأمر الإلهي و النبوي ( و إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله ) و لطالما عميت هذه المعاني على البعض، و لجئوا إلى ما لم ينزل الله به من سلطان، مع التحذير القرآني في قوله تعالى ( و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار و ما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )(هود 113)، وهم مطالبون بعدم المساومة على مبادئهم، أو التنازل عن بعض ثوابتهم، تحت ذريعة المناورة و المصلحة الحركية أو الشخصية و المغلفة أحيانا بأغلفة شيطانية، لا تتصل بالإسلام و المصلحة الإسلامية من قريب أو من بعيد. و أبناء الحركة الإسلامية مطالبون بالتميز في أخلاقهم و معاملاتهم، فهم صادقون، أوفياء، و مؤتمنون، و كرماء، و شجعان، و صابرون، و منفتحون، و مضحون...إلخ. والقيادة لابد أن تمسك هذا الجانب بيد من حديد دون أن تترخص فيه أو تتساهل معه، و إلا أحدثت في الولاء اهتزازا و خرقا يصعب التغلب عليه و الخلاص منه.
14)المبادرات القيادية لمعالجة ما يطرأ
إن مما يحفظ التنظيم و الصف من المشاكل الوافدة و الأمراض النازلة، مبادرة القيادة السريعة للمعالجة، و السرعة هنا لا تعني القفز فوق القواعد و الأصول المطلوبة في هذا الشأن، كدراسة المشكلة و تشخيصها و تحديد أسبابها و خلفياتها، و استكشاف أضرارها و مفاسدها، و بالتالي وضع الحلول الناجعة لمعالجتها في ضوء التجارب السابقة و اللاحقة و الاستفادة من تجارب الآخرين، إن ترك المشاكل و الأمراض تفعل فعلتها في البنية الحركية، وعدم الإسراع في مجابهتها و عزلها و محاصرتها من شأنه أن يوسع دائرة انتشارها و يغذي حجم أضرارها و مفاسدها، مما يجعل المعالجة بعد ذلك صعبة، إن لم تكن مستحيلة، و مما قد يتسبب في إهلاك البنية كلها. عندما وقع الخلاف بين المهاجرين و الأنصار و كاد الشيطان أن يغريهم بالاقتتال، بادر الرسول بدعوتهم، و خاطبهم من الزاوية التي كانوا عنها غافلين، حيث خرج لتوه دونما تأخر أو تأجيل، حتى جاءهم في حيهم فقال: ( يا معشر المسلمين ..الله الله.. أبدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله تعالى للإسلام، و أكرمكم به، و قطع عنكم به أمر الجاهلية و أنقدكم من الكفر و ألف بين قلوبكم ) ولقد كان من النتائج الفورية لهذه المبادرة القيادية أن بكى الجميع، و تعانقوا و عادوا أقوى تلاحما و محبة مما كانوا عليه. و تذكر السيرة أن أبا ذر الغفاري فال يوما لبلال بن رباح الحبشي :( يا ابن السوداء ) إثر شجار بينهما، و فور وصول الخبر إلى رسول الله (صعس) أرسل يطلب أبا ذر على الفور، وقال له : ( أتعيره بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ) فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على الأرض و طلب من بلال أن يدوس عليه تكفيرا عن زلة لسانه. هذه مبادرات القيادة السريعة لمعالجة المشاكل، من شأنها أن تمسك بالصف و تحفظه من الاهتزاز و الضعف و السقوط .
15) قضاء حوائج الآخرين
من الصفات الحميدة للقيادة الرشيدة تعاظم شعور القائد بهموم الآخرين، و شعوره بالتعبد لله من خلال قضاء حوائجهم، و حرصه على رفع الظلم عنهم، فقائد الحركة مؤتمن على تحقيق العدل في صفوف أتباعه، و السهر على ضمان حقوقهم و صون مصالحهم، و مطلوب من قيادات الحركة أن يخدموا من حولهم، لا أن يستخدمهم، و أن يرعوا شئونهم لا أن يضيعوهم و يهملوهم، و أن يكشفوا الضر عنهم لا أن يضرهم. قد يظن البعض أنه لا علاقة للقيادة السياسية أو الحركية بالشأن الاجتماعي و نقول: إن القيادة في الإسلام كل لا يتجزأ، و القائد مسئول عن الآخرين في صون عقيدتهم و عبادتهم و حماية أنفسهم و أعراضهم و أرزاقهم، لا شك أن الرعاية الشاملة هذه تحتاج إلى مؤسسات و اختصاصات، إنما يجب أن يقع ذلك كله أيضا ضمن مسئولية القيادة و متابعتها ورعايتها، و ليس بعيدا عنها أو في معزل عنها. و أن يكون الصف على كفاية من الرزق، مأكلا و مشربا و منكحا و تعليما و تطبيبا، فهو مبعث استقرار و إنتاج و عطاء، و مصدر تلاحم و تواد و تراحم، و صدق رسول الله (صعس) حيث يقول: ( مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إدا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى)، و القيادة الحكيمة هي تلك التي تصنف الأدوار و توزع المسئوليات، و لا تدع أحدا عاطلا عن العمل و من غير المسئولية، لأن الفراغ مخيف و عرضة لأن يملأه الشيطان.
16) التبريرية ليست من خصال القيادة الإسلامية
من الصفات التي تتنافى و المبادئ الشرعية، لجوء القيادة إلى تبرير الأخطاء، مهما كانت لدفع المسئولية عن النفس، و الهروب من تكاليفها التي قد تكون باهظة. القيادة الإسلامية مطالبة بأن تقول الحق، و أن تحكم بالحق على مطلق الأحوال، خاصة إذا كانت القضية تخصها أو تخص المقربين منها. إنه ليس لأحد أن يكون فوق الحق و فوق الشرع كائنا ما كان مقامه، و قائد الحركة معني بذلك قبل غيره، فإن لم يكن و قافا عند الحق و تجاوز الشرع فإن الأتباع تجاوزوا، إن تبرير الأخطاء يعني عدم الاعتراف بها، و يعني استساغتها، و يعني تكرار الوقوع فيها، و التبرير هذا خلق ذميم لأنه لون من ألوان الكذب، و هو نوع من التحايل و الالتفاف على الحق، و هو دليل ضعف الإيمان، و تقديم خشية الناس على خشية الله مصداقا لقوله تعالى : ( يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) الذين يستسيغون التبرير يمكن أن يستسيغوا فعل المنكرات الدعوية و الحركية و التنظيمية. إن حركة التاريخ الإسلامي مند العهد النبوي حتى اليوم لم تسجل الصحيح و السليم من الأفعال فقط، كما لم تسجل النجاحات و الانتصارات فحسب، و إنما سجلت هذا و ذاك، ليكون في ذلك فائدة و عبرة.
إن مما يزيد ثروة الحركات استفادتها من تجاربها، و تقويمها الصادق و الموضوعي لأعمالها و لإخفاقاتها و الهزائم تكشف ما هو مخبوء في الصف من دخن و زغل، و في ذلك فائدة عظمى لها إن هي أرادت الاستفادة من كل ما جرى و المبادرة إلى التصحيح و المعالجة.
المراجع:
فتحي يكن: قبسات مضيئة على طريق الصحوة الإسلامية، المشروع الإصلاحي للإمام حسن البنا تساؤلات لقرن جديد
بعد أن هدأت النفوس و خرجت الحركة من مؤتمرها الرابع بأقل التكليف و الخسائر وفصل المؤتمر في مؤسساتالحركة وقيادتها ، بعد مخاض عسير كاد أن يعصف بوحدة الصفوف، لو لا العناية الربانية ودعاء المخلصين من أبناء وبنات الحركة الدين سعوا بكل ما لديهم من أجل الحفاظ على مشروع الحركة
أكد أجزم وهذا رأي لا ألزم به أحد، أن المؤتمر الرابع فشل بكل المعاير، سواء قبل انطلاق المؤتمر ( استعمل الطرفان كل الوسائل الغير أخلاقية من أجل البقاء في القيادة أو الوصول إليها)، أما عند انطلاق المؤتمر فازداد الأمر سوء، و انسدت الأفق، و حبست الأنفاس، إلى أن جاء الفرج بعد صلاة الجمعة، التي فعلت فعلتها في النفوس، و استجاب الأخ الفاضل عبد المجيد مناصرة إلى نداء الأخ محجوبي الذي خطب الجميع وقال ( أليس فيكم رجل رشيد)، سواء سمية موقف الأخ انسحابا أم تنازلا لان العبرة ليست في المسميات لكن في المضامين، و هذا الموقف أدخل صاحبه ولا نزكي على الله أحد من الباب الواسع في صف الرجال الذين صدقوا ما عهد الله عليه فمنهم من قضى نحبه و من هم من ينتظر وما بدلوا تبديل، و هذا كذلك رأي في الرجل ولا أحمله أحد و أتحمل تبعاته، لأنني تربيت في مدرسة تقل للمحسن أحسنت و للمسيء أسأت ، وهذا الموقف لا ينقص من شرعية رئيس الحركة ، وأعتبر هذه اللحظات من صلاة الجمعة فما فوق هي الجانب الإيجابي في المؤتمر، و قد يشطروني في هذا الرأي الكثير من إخواني كما قد يخلفوني فيه الكثير من إخواني ، و هذه من طبيعة البشر إلا إننا نحن الإخوان نقر بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، أما بعد المؤتمر فالنقطة السوداء تمثلت في ازدواجية خطاب رئيس الحركة ( أتمنى أن يتسع صدر الرئيس لهذا الرأي)، بقدر ما كان خطاب الرئيس في القاعة البيضاوية، جامعا للشمل, متسامحا مع الأخر، معبرا على وحدة الصف، منبئا برئيس جميع أبناء الحركة لا رئيس فريق على حساب فريق، وأستبشر جميع الإخوان بأن الحركة خرجت واحدة موحدة ليس فيها منطق الغالب والمغلوب، بقدر ما كانت الندوة الصحفية مخيبة للآمال ، ساد فيها منطق المنتصر الذي من حقه أن يصادر الرأي المخالف، ونعث الطرف الأخر بالمنهزم الذي عليها الإذعان لإرادة المنتصر، واستعملت في الندوة مصطلحات غريبة لم أجد لها تفسير إلى يومنا هذا، ولبد من وضع هذه الندوة الصحفية في طي النسيان ، لهده الأسباب وأخرى لم يتسع المجال لذكرها، اعتبرت المؤتمر فاشلا مقرنتا بمؤتمرات الحركة السابقة، وعند قرأت مسلسل الأحداث فإن السلبيات تفوق الإيجابيات، وهذا رأي لا أحمله أحد، بل أساهم به مع إخواني من أجل الوصول معا إلى الهدف، و الله من وراء القصد و هو يهذي السبيل.
أين الخلل؟
إنه بات من واجب أبناء الحركة اليوم قيادتا و قاعدة، والأمر جلل و من أولويات القيادة الجديدةفتح نقاش واسعصريح و شفاف، تشارك فيه جميع طاقات الحركة ويتم إسناده إلى هيئة يكون من مهامها ، الإشراف على جلسات الإنصات و النقاش من أجل وضع اليد على مكمن الخلل و صياغة الحلول، و الإيجاب على السؤال الأتي : ما هي الأسباب التي أوصلت الحركة إلى هذا المستوى من التدني في الأخلاق و تدني المستوى التربوي حتى أصبح الأخ يجرح في أخيه، و يخونه، و ينتهك عرضه, ويستعمل كل الوسائل من أجل الوصول إلى الغاية، و طغيان المنطق الحزبي الضيق على حساب الأخوة المبنية على الحب في الله و البغض في الله، فقدان الثقة بين القيادة حتى و صل الأمر إلى عدم قدرتهم الجلوس إلى طويلة الحوار من أجل حل أي خلاف مهما كانت درجة هذا الخلاف، كيف وصل الأمر بنا إلى غاية استعمال المنصب و النفوذ من أجل البقاء فيه إلى أخره من الآفات التي كنا بالأمس القريب نعيبها على النظام و أجهزته الأمنية.
ما الذي أوصل الحركة إلى ما وصلت إليه، و هي التي شاهد لهل العدو قبل الصديق، بالانضباط و الانسجام، و الأخوة الصادقة، والعمل من أجل مرضاة الله لا غير، حركة تبنت منهاجا تربويا ربانيا.
ما هو الحل ومن أين نبدأ ؟
الخلل حسب رأي و مساهمة مني في إيجاد الحلول يكمن في النفوس التي يجب أن تتغير، وأداة تغير النفوس هي التربية و إعادة النظر في مناهجنا التربوية و أدواتها وو سائلها، وطرق تنفيذها، ووضع الأهداف المرجوة، واختيار الرجال الأكفاء للسهر على حسن تنفيذها.
لابد أن نعي في الحركة قيادة و مناضلين، الحقيقة التي يبدو لي إننا تنسينها في خضم الأحداث، بأننا حملت
دعوة إسلامية رسالتها
1 ) رسالة تربية قبل أن تكون رسالة تشريع و تنظيم
2 ) رسالة أخلاق و عقائد قبل أن تكون رسالة قتال و جهاد
3 ) رسالة قيم و مبادئ قبل أن تكون رسالة اتساع و انتشار لذلك كانت أولى خطوات التغيير و الإصلاح موجهة إلى القلب و النفس، و من أجل ذلك كانت وحدة القلوب المؤمنة سابقة على وحدة الصفوف بالتنظيم و التخطيط ، و من هذا التوجيه علمنا رسول الله ( صعسلم) من أين نبدأ، نبدأ بالصلاح قبل الإصلاح، صلاح القائد والمناضل ،لأنهما أداة التغيير فنحن في أمس الحاجة إلى :
1) يقظة الأرواح و حياة القلوب.
2) صحوة الوجدان و المشاعر.
3) نفوس حية قوية فتية، تتصور مثلا عليا و أهداف سامية لتسمو نحوها.
لبد أن نعود إلى الأهداف التي من أجلها تأسست الحركة في المرحلة السرية قبل أن تسمح لها الظروف للخروج إلى العلن وهي:
1)أن يتعرف الناس إلى ربهم ، و أن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسموا بأنفسهم من جمود المادة الصماء و جحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة و جمالها.
2)إننا نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا.
3)أن هذه الحركة الدعوية لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه و ماله ووقته وصحته.
لقد ابتعدنا وانحرفنا عن منهجنا التربوي الذي من خصائصه إنشاء جيل يحقق معنى (رهبان في الليل فرسان في النهار)، حيث ترى المناضل في المحراب خاشعا متبتلا يبكي و يتذلل، و بعد ذلك يكون هو بعينه واعظا مدرسا يقرع الأذان بزوا جر الوعظ ، و بعد قليل تراه نفسه رياضيا أنيقا يرمي الكرة، أو يتدرب على العدو أو يمارس السباحة، و بعد فترة يكون هو بعينه في المجالس البلدية أو البرلمان مدافعا عن حقوق المظلومين و المستضعفين.
يقع على عاتق القيادة الجديدة ، و القائمين على أمانة الدعوة و التربية و الإرشاد، العودة إلى أولويات منهجنا التربوي و التركيز على القضايا التالية :
1)تلاوة القرآن و الاستماع إليه و فهمه، على أن يقرأ القارئ بتدبر و خشوع، و أن يستلهم الرشد و السداد، و أن يجمع شوارد فكره حين التلاوة مع حفظ ما يمكن حفظه
2)الاكتار من القراءة في حديث رسول الله (صعسم)، مع حفظ بعض الأحاديث.
3)دراسة السيرة و تاريخ السلف.
4)دراسة رسالة في أصول العقائد، و رسالة في فروع الفقه.
5)الإكثار من المطالعة في رسائل الإخوان و جرائدهم و مجلاتهم و مواقع الانترنت الخاصة بهم و كتبهم الدعوية و التربوية و ما يتناول حاضر المسلمين و مشاكلهم.
لبد من أن يشرف على مثل هذه البرامج مربين لهم من الكفاءة والأساليب التربوية الحديثة مع استعمال أحدث الوسائل البيداغوجية ( كاالبوربونت و الدطاشو الخ من الوسائل).
يسعى هذا المنهج التربوي إلى تحقيق شعار الحركة العلم، العمل، العدل:
1)بغير العلم بكتاب الله، و تاريخ الدعوة الإسلامية، و واقع الحياة فإن الحماس يؤدي بصاحبه إلى الانحراف و الاصطدام و التحطم.
2)بغير التربية على منهج الدعوة في الحب، و الامتزاج الروحي، و الصفاء، و التنافس في البذل، و العمل، و التضحية، و احتمال المشاق في سبيل الدعوة، فإن الجاه و المال، و السلطان يغريان العامل بسلوك طريق الدس و الوقيعة، و لو كان شيخا أديبا عالما فقيها لبقا ذلق اللسان واضح البيان، غير أن هده التربية لا تتم بالكلام النظري، و إنما بالممارسات العملية.
3)بغير الجهاد يصبح الإيمان مخدرا في النفوس، لا ينزل على حكمه ولا يعمل بمقتضاه، فإذا اغفل المناضل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها، ولا يحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها، بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة و هذا النسيان حتى يصبح يعمل ضدها و هو يشعر أولا يشعر، وهذا ما حدث فعلا قبل و أثناء المؤتمر الرابع.
و الجهاد أن يدرك المناضل في الحركة قائدا كان أو عاملا أن لب دعوته فكرة و عقيدة يقذف بها في نفوس الناس ليتربى عليها الرأي العام، و تؤمن بها القلوب، و تجتمع غليها الأرواح، ذلك هو العمل للإسلام و العمل به في كل نواحي الحياة.
و نتيجة هذه التربية، أن يشعر ابن الحركة أنه روح جديد يسري في قلب الأمة، فيحيه بالقرآن، و نور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، و صوت داو يعلو مرددا دعوة الرسول (صلعسم).
و عليه أن يدرك منزلته هذه فلا يصغر نفسه فيقيس نفسه بغيره أو يسلك في دعوته سبيل غير سبيل المؤمنين، أو يوازن بين دعوته التي تتخذ نورها من نور الله، و منهجها من سنة رسول الله (صلعس)، بغيرها من الدعوات التي تخلقها الضرورات و تذهب بها الحوادث و الأيام.
و أقترح على القائمين على آمنة الدعوة و التربية و الإرشاد، مراجعة الرسائل التالية ( دعوتنا في طور جديد، دعوتنا، إلى أي شيء ندعو الناس )
وفي ختام هذه المساهمة البسيطة سائلا الله عز و جل أن تكون خالصة لوجهه لا نريد من ورائها إلا الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيل، واليكم في النهاية ما جاء على لسان مرشدنا الإمام حسن البنا رحمة الله غليه و قدس تراه مجدد القرن دون منازع،
إن تكوين الأمم، و تربية الشعوب، و تحقيق للآمال و مناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
1)إرادة قوية لا يتطرق إليه ضعف.
2)وفاء ثابت لا يعدو عليه غدر و لا تلون.
3)تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع و لا بخل.
4)معرفة بالمبدأ و إيمان به و تقدير له، يعصم من الخطأ فيه و الانحراف عنه و المساومة عليه و الخديعة بغيره.
على هذه الأركان الأولية هي من خصوص النفوس وحدها, و على هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ، و تتربى الأمم، و تتكون الشعوب الفتية و تتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة طويلا.
كل حركة فقدت هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقدها قوادها و دعاة الإصلاح فيها, فهي حركة عابثة، مسكينة، لا تصل إلى الخير، و لا تحقق أملا، حسبها أن تعيش في جو من الأحلام و الظنون و الأوهام ( و إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (يونس الآية 36).
هذه أولى المساهمات التي أضعها بين يدي إخوان و أساتذتي، إستحلاصا للدروس و العبر من المؤتمر الرابع، راجيا أن تلقى صدورا رحبا و أدان صاغيا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والله أكبر و لله الحمد.
ولقد عبر عن هذا المعنى الإمام البنا حين قال: "سنقاتل الناس بالحب" فإذا انتفى هذا الحب أو قل بين أفراد الجماعة فسمى الجماعة بأي اسم شئت إلا أن تكون "جماعة الإخوان المسلمين".