و نحن على مقربة من الاحتفال بذكرة وفاة الشيخ محفوظ نحناح ( رحمه الله)، رائد الحركة الإسلامية في الجزائر، و حامل لواء فكرة شمولية الإسلام، و تتمة لاستخلاص العبر و الدروس من المؤتمر الرابع، مراجعة للذات من أجل القيام بإصلاح البيت الداخلي، لا يسعني إلا أن أضع بين يدي إخواني الجزء الثاني من سلسلة الدروس و العبر، و الذي أتطرق فيه إلى معاير و صفات" القائد الرباني و السياسي المحنك"، كما علمني إياها الشيخ الراحل محفوظ نحناح ( رحمه الله)، و قد تطرقت في إحدى مساهمتي التي بعت بها إلى لجنة تحضير المؤتمر الرابع، و نشرت في جريدة الشروق، أشرت فيها إلى ضرورة وضع المعاير و الصفات التي على رئيس الحركة أن يتصف بها، و التي على أساسها يتم اختياره، من هذه الصفات ما هو شرعي و منها ما وصلت إليه التجارب البشرية، لأن الحكمة ضالة المؤمن أين و جدها فهو أولى بها.
(1 المسئولية الشرعية لقيادة الحركة
الكلام عن المسئولية الشرعية لقيادة الحركة تعود بنا الذاكرة لمواقف الأوائل من قادة السلف الصالح الدين أدركوا كم هي ثقيلة تلكم المسئولية , و التي أشار إليها الرسول (صعسم) بقوله " إنها لأمانة و إنها يوم القيامة لخزي و ندامة إلا من حملها بحق" الحديث .
و هنا لبد من لفت الانتباه إلى بعض المفاهيم المغلوطة تسللت إلينا و علينا, كما تسلل ما يسمى ( ديمقراطية الإسلام) و ( اشتراكية الإسلام ) و هي إن القيادة في الإسلام جماعية , طنا من أصحابها إن إلزامية الشورى من شأنها أن تجعل القيادة جماعية , و بذلك تذيع المسئولية القيادية , حيث يصبح كل عضو من أعضاء المجالس القيادية قائدا, مما يفتح بابا لا يغلق لنشوء مراكز القوى , و صراع الرءوس و الرئاسات, فضلا عن بروز قيادة ظل يكون لهل من الهيمنة على القرار ما لا يكون لقيادات العلن.
ما يجب التأكيد عليه هنا , هو أن مسئولية رئس الحركة الشرعية عظمى لا تماثلها مسئولية أخرى, ومن أجل ذلك كان الموقف النبوي من هده المسئولية صارما جازما, حيث قال ( إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظه أم ضيعه).
ولقد حرص الإمام الشهيد حسن البنا ( رحمه الله) على تبين مسئولية القائد و القيادة تحديدا في تربية القاعدة و الأفراد على المنهج المعتمد, فهو يقول في المذكرات ص 131 ( لا ينفع في بناء الجماعة إلا ما بنت القيادة بنفسها, أو بجهود الإخوان الذين يرون القيادة معهم شركة في التهذيب و التعليم, و لهذا فكل فرع أنشئ بغير أسلوب القيادة لا ينفع كثيرا).
إن استشعارا لقائد لهده المسئولية تجعله يعيش هم من يقود و يسوس و يرعى, فهو يحرص على العدل بين الرعية, و ينأى عن مظنات الظلم أو الانحياز, فالجميع أمامه سواء, و إنما يتفاضلون بقدر ما يتفضلون بالتقوى و البذل و التضحية , و قدوته في ذلك أئمة الهدى الأولون من أمثال أبى بكر و عمر, الذي قال أحدهم يوم ولى الخلافة ( القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخد منه الحق, و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخد له الحق)
في ضوء ذلك لم يعد غريبا ما سجله الفاروق عمر ( رضي الله عنه و أرضاه) حيث قال فور انعقاد تبعات الخلافة عليه ( ليت أم عمر لم تلد عمرا) و قال ( ليتني كنت هذه البعرة, ليتني كنت نسيا منسيا).
2 ) حاشية القائد و المقربون منه
إن مدخل الفساد و باب الإفساد الأكبر أن لا يهتم القائد بنوعية حاشيته و المقربين منه، و أن لا تكون لديه موازين شرعية في عملية الاختيار، و أن يترخص في مساءلة هؤلاء و محاسبتهم.
إن ما نفتخر و نعتز به في تاريخنا الإسلامي المجيد تلكم المواقف القدوة التي سجلها القادة حيال سقطات المسئولين و الأتباع و أفراد الحاشية القيادية، و هو ما يجب أن يحتذي به.
ما أحوج قيادة الحركة الإحتداء بموقف كموقف المكلف بالجباية في عهد الرسول (صعس)، و الذي سمح لنفسه بقبول هدية قدمت له خلال عمله الوظيفي ، و قال: ( هذه لكم، و هذه أهديت إلي)، حيث أنكر عليه القائد فعلته، و قال: ( أفلا قعد في بيت أبيه و أمه فنظر هل يهدى إليه ام لا ؟)، إن تقريب القائد لضعيفي الإيمان مهزوزي الإلتزام طالما أنهم يوالونه و يؤيدونه، و إبعاده للأتقياء لأنهم يعارضونه و يصدقونه المشورة و النصح لهو صارخ على فساد في شخصيته و ضعف في عقيدته و زغل في طويته. المطلوب من القائد أن يحرص على تقريب أهل المعرفة و الدراية و الورع من الذين عرفوا زمانهم فاستقامت طريقتهم، مصدقا لقوله تعالى: ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) (القصص 26)، و هي القاعدة الفضلى و المثلى في اختيار المساعدين و المكلفين و الموظفين في شتى الظروف و الأحوال. و من نتاج سوء اختيار القائد لحاشيته أنه سيناله نصيب من فسادهم، سواء مما يشيرون عليه من سوء أراء و أفكار، أو فيما يمارسنه من جهالات، كما سيؤدي ذلك إلى بعد الصالحين المؤهلين عنه، تحاشيا لما يمكن أن ينالهم منه أو من حاشيته من سوء؟
3) عدم اهتمام القائد لخسارة إخوانه و انقضاضهم من حوله
كم هي مسئولية القائد الشرعية كبيرة ظاهرة انفضاض المقربين و الأتباع من حوله، و تساقط أعضاء التنظيم في عهده، ثم هو لا يبالي و لا يأبه و لا يسارع إلى دراسة المشكلة و بالتالي إلى معالجتها قبل أن تستفحل و تأتي على الصف كله. و لكم هي اللفتة القرآنية معبرة و صارخة التي تشير إلى صفة من صفات الرسول (صعس) من خلال قوله تعالى ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) (التوبة 128) إنه حرص القائد على جنده من أن ينالهم سوء أو تنزل بهم نازلة، فهو بتعهدهم بالرحمة و يأخذهم بالرأفة ( و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )(آل عمران159) أين هؤلاء القادة الذين تبلد حسهم، و مات شعورهم، و تعطل مؤشر الإحساس بالمسئولية لديهم ومن أولئك الذين كانوا يخافون من أن يسألوا عن ناقة تعثرت في العراق، كما كان حال عمر(رضي الله عنه) حيث قال: ( و الله لو تعثرت ناقة في العراق لكان ابن الخطاب مسئولا عنها )، أين هؤلاء من حديث الرسول (صعس) حيث يقول: ( إن الله يسأل عن عشرة ساعة )، بينما نحن نذبح بدون أسى و دموع، أناسا عاشوا معنا ألف ساعة أو عمرا بأكمله. إنها كارثة قيادية و مأساة تنظيمية أن لا نهتم و نسأل عمن غادرنا، لم غادرنا؟ وعمن انقطع عنا، لم انقطع عنا؟ وعمن خصرناه و افتقدناه لم حصل معه ذلك؟ عجيب بل غريب أن لا يتبادر إلى دهننا أننا قد نكون السبب، و أن نكون نحن السبب ثم لم نبادر إلى العلاج و أن نكون من وراء قطع الرحم الأخوية و الدعوية و الحركية، ثم لا نبادر إلى صلة الرحم هذه، هذا يعني أننا نقطع أرحامنا، و نحن نعلم أن جزاء قاطع الرحم أن يقطعه الله، حيث يغري العداوة و البغضاء في الصف، فتتمزق الأواصر، و يحل الشقاق، و تقع المحنة و المصيبة و العياد بالله .
4) القائد و تشكيل المجالس القيادية
كيف ينبغي أن يتعامل القائد حيال مهمة تشكيل المجالس القيادية؟
هل يختار الأفضل و الأكثر جدارة و أهلية، و لو لم يرق له التعامل معه لجرأته في قوله الحق و لصلابته في مناقشة الأمور؟
أم أنه يختار الأسهل انقيادا، و الأقل عناد، و الأضعف مناقشة؟
إن المجالس و الأجهزة القيادية يجب إثراؤها بأهل الرأي، و لو لم يكونوا من رأي القائد، و كلما تعددت المواهب القيادية، و تنوعت الآراء و تباينت في قضية واحدة، كلما كان القرار حكيما، و كان الصف ملتئما و الجمع منسجما. إن الحرص على الرأي الآخر و لو كان مخالفا ظاهرة صحية في الحركات، و علامة جيدة في القيادات و هذا ما كان عليه الرسول (صعس) المؤيد بالوحي، و الذي لا ينطق عن الهوى، فكيف بحالنا إذا ما تحكمت الأهواء، و سارت المصلحة و فشا فينا الداء الخبيث، و المرض العضال ( إعجاب كل ذي رأي برأيه) و لكم أن تقارن بين هذا الكلام و ما قامت به قيادة الحركة عند تشكيل المكتب الوطني و المستشارين إلا من لون واحد بدعوة الانسجام
5) القائد و تعدد المواقع و المسئوليات
من المشكلات القيادية و التي و وقعت فيها الحركة، أن يكون القائد مولعا بالمسئوليات في أكثر من مؤسسة و منظمة، فيكون مسئولا عن مؤسسات تربوي و مالية و دعوية و حركية و سياسية و اجتماعية و غيرها؟ و النتيجة (المأساة) أنه لن يعطي واحدة من هذه المسئوليات حقها، و سيكون تقصيره على حسابها، دون أن يعفى من المسئولية الشرعية، و قد تكون عظيمة و كبيرة. المسئوليات في الإسلام ليست أوسمة يتباهى الإنسان بوضعها على صدره، فهي قاصمة للظهور إن كانت للمبهات و هي مصيبة كبرى إن كانت بسبب عدم المبالاة، و هي خيانة عظمى إن كانت هروبا من تبعات المسئولية الحقيقية.، إن الإنسان بسبب أنه خلق ضعيف و أنه غير قادر على أن يملك قلبين في جوفه، و أن هذا العصر عصر اختصاصات، و أنه عليه أن يعرف حده فيقف عنده، إنه بسبب ذلك و غيره وجب عليه و بخاصة إن كان قائدا، أن يتولى من المسئوليات ما يطيق، و ما هو بمقدوره، و ما هو بارع فيه، و ما هو أولى من سواه، و إلا كان من هواة جمع الألقاب، و نعود بالله أن نكون أو يكون أحدنا من هذا النوع من الناس. ثم إن هذا المرض إذا أصاب القائد، لجاء حيال أعباء المسئوليات الملقاة على عاتقه إلى سياسة التفويض، فيفوض هذا و ذاك ممن لا جدارة عندهم فيقلبون الأمور رأسا على عقب، و يكون هو الأكثر مسئولية و وزرا منهم.
6) الشفافية القيادية
و ثمة قضية مهمة يجدر بالقائد المسلم أن لا يغفل عنها، أو يتهاون فيها، لأنها تحمل من المخاطر ما لا يحده وصف و لا يخطر ببال، إنها الشفافية التي يجب أن يتمتع بها قائد الحركة، و البعد على كل ما يمس أمانته، و يخدش كرامته من تصرفات مادية و معنوية, يجب على القائد أن ينأى بنفسه عن دوائر الشبوهات عموما، و المالية منها على وجه الخصوص، أو الوقوع فيما يمكن أن يقع فيه الآخرون من تصرفات و أعمال نفعية، لا يجوز أن يكون له نصيب في مشاريع تجارية تخص التنظيم، أو أن يكون مسئولا أو شريكا عن حساب مالي تابع للتنظيم، كما يتحاشى قبول أية مبالغ مالية سواء كانت مخصصة له شخصيا أم للتنظيم. القائد يجب أن يحافظ على طهارة نفسه و بياض كفه، و نصاعة سجله أكثر من محافظة العذراء على بكارتها.
يؤثر على الأستاذ حسن الهضيبي (رحمه الله)، و كان يومها مستشارا قضائيا كبيرا، أنه لمح أحد أبنائه، و كان طفلا صغيرا، يتناول ورقة من مكتبه في قصر العدالة، فقال له (هذه الأوراق ليست لنا يا بني، إنها ملك الدولة)، ثم أخرج من حقيبته ورقة بيضاء فقال له: ( يمكنك التصرف في هذه لأنني اشتريتها من مالي الخاص)، لكم انهارت هامات، وسقطت مقامات، و اهتزت قيادات بسبب تساهل في تصرف مالي، أو شراكة مادية، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و صدق رسول الله (صعس) حيث يقول: ( رحم الله امرأ جب الغيبة عن نفسه)، و هذا يطال عموم المسلمين فكيف بالقياديين و الخاصة، و خاصة الخاصة؟
7) إصلاح الأقربين قبل إمامة المتقين
الإصلاح في الإسلام منهج تغييري شامل الجوانب، متكامل الحلقات، متعاقب الخطوات، محدد المراحل لا تتحقق جدواه بعيدا عن هذه الاعتبارات جميعا ؟
و عندما يعتري المشروع الإسلامي تعثرا أو فشل أو إخفاق يكون السبب اختلال هذه المعاير، و اهتزاز تلكم الاعتبارات، و عدم احترام الأولوية في سنة التغير ؟
و القائد المسلم يجب أن يعي معادلة الإصلاح بدقة و هو يقرأ قوله تعالى: ( و الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين و اجعلنا للمتقين إماما) ( الفرقان 74)، نجد أمامنا خطوتين أساسيتين لا مناص منهما في عملية الإصلاح:
- الأولى: تتصل بإصلاح النفس و الأقربين
- الثانية: تتعلق بمهمة إصلاح المجتمع و الآخرين
ففي ضوء السياق القرآني تتجلى و تتأكد أولوية التغيير، و أنه لابد من البدء بقوامة و إصلاح الأسرة و المحيض الضيق، ليتحقق من خلال ذلك نشوء درية صالحة تقر الأعين و تثلج الصدور، و هو ما يجليه الشطر الأول من الآية : ( ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين)، و لتليها بعد ذلك خطوة أكبر و أعم و أشمل ترتقي فيها عملية التغيير من دائرة القوامة إلى دائرة الإمامة، و هو ما جاء في الشطر الثاني من الآية: (و اجعلنا للمتقين إماما)، إن شرط الاضطلاع بإمامة المتقين و الصالحين، هو تحقق الصلاح و التقوى فيمن يتقدم لذلك. لأن فاقد الشيء لا يعطيه، و إلى ذلك أشار الخطاب القرآني ( أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) ( البقرة 44)، و النجاح في الإصلاح العام يجب أن يسبقه و يؤكده النجاح في إصلاح الشأن الخاص، و إلا كانت الخطوة مبعثرة و غير قابلة للنجاح. و هل يكون جدير بتولي إمامة إصلاح الآخرين من فشل في قوامة و إصلاح الأقربين؟
إن القفز فوق الأولويات الشرعية في الإصلاح من شأنه أن يحبط المشروع الإسلامي، و يعطل عملية التغيير على مستوى الأفراد و الجماعات. على هذا سار الأولون فحققوا النجاحات و الانتصارات، و تقلدوا إمامة و قيادة العالم، كان الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يجمع أهله، و يقول لهم: ( إني قد نهيت الناس عن كذا و كذا، و إن الناس ينظرون إليكم، كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، و إن هبتم هابوا، و إني و الله لا أولي رجلا منكم وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء منكم فليتقدم و من شاء منكم فليتأخر) (ابن الجوزي ص 206)، و من روعة ما قاله الخليفة الراشد علي بن أبي طالب في هذا المعنى كذلك قوله: ( من نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه، و معلم نفسه و مهذبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مهذبهم )
8) القيادة بين المبادئ و المصالح
إنه لابد على قيادة الحركة من التزام المبادئ التي جاء بها الذين الحنيف، و اعتمدها و دعا إليها، و القول بأن الإسلام جاء ليحقق مصالح العباد في الحياة، هو قول سليم و حق لا يرقى إليه شك، و لكن السؤال هنا هو: أية مصالح عناها الإسلام؟ هل هي مصالح التنظيم؟ أم هي مصالح أعضاء التنظيم؟ أم ماذا؟
إنه لابد من دقة و صدقية و تجرد في تعيين المصلحة المطلوبة، لأن الضياع يبدأ من هنا، فتنعدم الرؤيا، و تختلط المصالح، و تسقط المبادئ، و تعم المفاسد، و القيادة معنية على حد كبير و مسئولة قبل غيرها من استشفاف المصلحة المعنية و استكشاف المنفعة المطلوبة. إنه لا يمكن أن توصف مصلحة فردية خاصة، أو مجموعة مصالح شخصية أو حركية بأنها مصلحة إسلامية، بل يمكن أن تكون مفسدة أو مجموعة مفاسد عامة، قد يتحقق لفرد في جماعة أو لمجموعة أفراد أن يحتلوا مواقع رسمية مرموقة في الدولة مقابل تأييد هذه الدولة و موالاتها في مواقفها و سياستها، و قد تكون مواقف الدولة و سياساتها مخالفة لشرع الله، أو في غير مصلحة الشعب، و غير مقدرة للمصلحة الإسلامية العليا، فبأي المصلحتين نأخذ، و بأيها نلتزم و نتشبث، بالرغم من المكاسب و المصالح العرضية العاجلة؟ هنالك العديد من التنظيمات و المجموعات الإسلامية تفتي لنفسها، من خلال نظرتها الضيقة على مصالحة الفئوية الآنية، ما ينعكس سلبا، بل مآس و فواجع على غيرها. و ثمة نقطة مهمة يجب أن تلحظها القيادات الإسلامية في نطاق موازنتها بين المصالح و المفاسد، وهي ما يمكن أن يعتبر مصلحة قد يتسبب في مفسدة، و مطلوب من القيادة أن تتحقق من مآلات المصالح و عواقب المنافع، التزاما بالقاعدة المقررة ( درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، و أن يكون القول المأثور ماثلا أمام أعينها باستمرار ( دع الشر الذي عليه الخير يربو)، القيادة الإسلامية يجب أن تكون مشدودة باستمرار على تحقيق ما تُمثّل لا إلى تحقيق من تُمثٌّل، و هي حين تحقق مصلحة ما تمثُّل تكون قد حققت مصلحة من تمثّل و ليس العكس أبدا كما قد يتوهم البعض، إن تحقيق مصلحة الإسلام يضمن تحقيق مصلحة المسلمين أو الإسلاميين، إنما العكس قد لا يضمن ذلك على الإطلاق، و الله أعلم.
9) حزم من غير ظلم
و من المواصفات المطلوبة عند قائد الحركة أن يكون حازما من غير ظلم، فالحزم مطلوب والظلم مرفوض، و إن أي خلل في هذه المعادلة يمكن أن يحدث خللا، بل "خلخلة" في الصف، سيئة العواقب و النتائج.
- إن عدم قيام القائد بحسم الأمور، من شأنه أن يعقدها، و يبلغ بها مرحلة اللا علاج و اللا حل.
- تهاونه في حل المشاكل مدعاة لتكاثرها و تشعبها.
- تلكؤه عن أخد المبادرات يفوت الفرص و السوانح التي قد لا تتكرر.
- ثم إن ضعفه و لينه في أمر يستدعي الحزم يهز الثقة في كفاءته و أهليته القيادية, و يشجع المسيء على الإساءة و على الاسترسال في الخطأ، و رحم الله من قال: ( ليكن كلامكم نعم نعم، لا،لا).
إن من بدع هذا العصر أن أدخل على القاموس العربي مفردات لا تعبر عن ثقافة و سلوكية و شخصية هذه الأمة في شيء، من ذلك شيوع التعبير الهابط ( لعم ) الذي يجمع بين نقيضين ( لا و نعم )، إن هذا التعبير يمثل خلاصة الضياع و منتهى الضعف، بل هو يتناقض تماما مع فضائل الوضوح و الصراحة و الحسم، و الحزم، و هذا من أسوأ ما يمكن أن يتصف به الإنسان العادي و كيف بالشخص القيادي.
(10) الانصياع للحق و الاعتراف بالخطأ
من مواصفات القيادة الناجحة الاعتراف بالخطأ، و عدم الإصرار و المكابرة و العناد، إن محاولة القائد الدائمة دفع الكرة إلى ملاعب الآخرين، و محاولة تبرئة نفسه من كل عيب، آفة من آفات القلوب، و مرض خبيث من مرض النفوس، أعادنا الله و شفانا منه. كيف و نحن ننتمي إلى أمة لم يكن رعيلها الصالح على شيء من مثل هذه الظواهر الخبيثة.
- كان أحدهم يلح و يقول: ( رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي ).
- كان شعار قادتهم ( إني وليت عليكم و لست بخيركم، إن أسأت فقوموني ).
- و لم يخجل الخليفة عمر (رضي الله عنه) من أن يقول: ( أصابت امرأة، و أخطأ عمر )
إن عدم الاعتراف بالخطأ يعني أن صاحبه معصوم لا يخطئ، و هذا ما يتناقض مع المسلّمة الإسلامية القائلة: ( كل بني أدم خطأ )، كما تتناقض المكابرة مع القاعدة الشرعية النبوية ( وخير الخطائين التوابون )، و لقد ابتليت بعض الحركات الإسلامية في هذا العصر ببعض القيادات عميت عليها عيوبها و هانت عليها أخطاؤها، مع أنها كالجبال يراها القاصي و الداني، بل إن دليل ذلك باد و ظاهر كفلق الصباح من خلال إخفاقها و فشلها. في زمننا الذي نعيش فيه أقدم كثير من زعماء دول و وزراء حكومات ليسوا بمسلمين و لا إسلاميين، على تقديم استقالاتهم تكفيرا و تحملا لمسئولية أخطاء لم يرتكبوها هم بأنفسهم و لكنها وقعت وحدثت في عهدهم و في ظل مسئوليتهم، إيمانا منهم بأنه لابد من دفع الثمن، فدفعوه بملء إرادتهم و من تلقاء أنفسهم. فأين نحن من صنيع هؤلاء الدين نسميهم بالكفرة، والمغضوب عليهم، وبالضالين.
11) قيادة واعية
من أهم ما ينبغي أن تتصف به قيادة الحركة وعيها الكامل:
- الوعي بشرع الله، و القدرة على أن تنظر من خلاله إلى كل شيء، فالشريعة يجب أن تكون المنظار الذي يحدد و يقوّم التصور القيادي لكل ما يعرض من أمور، مصداقا لقوله تعالى: ( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما ) ( النساء 65).
- الوعي بواقع الحركة التي يقود، لإقبالها و إدبارها، لتقدمها و تأخرها, لضعفها و قوتها، للمشاكل و الأمراض التي تعتريها، ليتمكن من القيام بدوره الشرعي المطلوب منه في كل ذلك.
- الوعي بالواقع التربوي و الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في بلده، ليتمكن مما تجب متابعته و معالجة ما ينبغي معالجته وفق خطة التنظيم و مشروعه و لوائحه.
- الوعي بالواقع الإقليمي و الدولي، و ما يجري في العالم من متغيرات، و ما يطرأ من ظواهر، و ما يقع من أحداث، على أن يكون ذلك وفق دراسة علمية موثقة، ليبني على ذلك مقتضاه، و حتى لا يكون التعامل مع مجريات الأحداث قائما على جهل، أو تخلف، أو عدم علمية، لأن الله كتب و طلب الإحسان في كل شيء، و رسوله (صعس) ترجم ذلك بقوله: ( إن الله يحب من أحدكم إدا عمل عملا أن يتقنه )
إن كل ذلك و غيره يؤكد مدى أهمية الدور القيادي، و مدى المسئولية الشرعية الملقاة على عاتق رئيس الحركة، و المعلقة في عنقه.
(12) ربانية القيادة
إن شرط نجاح رئيس الحركة في الدنيا، و فلاحه في الآخرة هو ربانيته، فقائد الحركة يجب أن يكون ربانيا، بمعنى أن يكون في المعية الربانية، و الحفظ الرباني، و الرعاية الربانية في شئونه الخاصة و العامة، في المظهر و المخبر، في جوف الليل و هو يصلي و يتضرع، و في زحمة النهار و هو يتدافع في قلب المعركة و هو يجالد و يقارع.
- إن ربانيته تجعل عمله خالصا لوجه الله لا يشوبه شرك و لا رياء.
- إن ربانيته تجعله دائم الطلب لمدد الله و نصره و هداه.
- و ربانيته تدفعه إلى تتبع سقطاته قبل تتبع سقطات الآخرين، و إلى محاسبة نفسه، قبل محاسبة الآخرين، و إلى تحاشي الغفلة و دوام الحضور و إلى أن يستعظم أخطاءه حتى يراها كالجبال، وإلى أن يستصغر أعماله فيندفع للتعويض ممتثلا قول الله ( و لا تمنن تستكثر و لربك فاصبر ) ( المدثر 8-7)
- و الربانية جوهر نجاح القائد و سر فلاحه في جميع أعماله و تصرفاته، فهو رباني الأخلاق و رباني العلاقة، و رباني المعاملة، و رباني التفكير، و رباني التقرير، و رباني التخطيط، و رباني الخطاب و صدق الله تعالى حيث يقول: ( و لكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، و بما كنتم تدرسون ) (آل عمران 79).
13) مسئولية القيادة عن تميز الحركة
إن الحركة الإسلامية لابد أن تتميز في كل شئونها عن كل الفصائل و الحركات و التنظيمات الأخرى و القيادة مسئولة إلى حد كبير عن تحقيق و ضمان هذا التميز في الصف و القواعد، فأبناء الحركة الإسلامية مطالبون بأن يتميزوا قي عقيدتهم من خلال صفو و سلامة ولائهم لله تعالى عن سائر خلقه و مخلوقاته، مهم عظم شان هذه المخلوقات و علا مقامهم، امتثالا لقوله تعالى ك: ( لا تتولوا قوما غضب الله عليهم )(الممتحنة 13) ( و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)(المائدة 56) و هم مطالبون بصدق اعتمادهم على الله و استعانتهم به التزاما بالأمر الإلهي و النبوي ( و إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله ) و لطالما عميت هذه المعاني على البعض، و لجئوا إلى ما لم ينزل الله به من سلطان، مع التحذير القرآني في قوله تعالى ( و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار و ما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )(هود 113)، وهم مطالبون بعدم المساومة على مبادئهم، أو التنازل عن بعض ثوابتهم، تحت ذريعة المناورة و المصلحة الحركية أو الشخصية و المغلفة أحيانا بأغلفة شيطانية، لا تتصل بالإسلام و المصلحة الإسلامية من قريب أو من بعيد. و أبناء الحركة الإسلامية مطالبون بالتميز في أخلاقهم و معاملاتهم، فهم صادقون، أوفياء، و مؤتمنون، و كرماء، و شجعان، و صابرون، و منفتحون، و مضحون...إلخ. والقيادة لابد أن تمسك هذا الجانب بيد من حديد دون أن تترخص فيه أو تتساهل معه، و إلا أحدثت في الولاء اهتزازا و خرقا يصعب التغلب عليه و الخلاص منه.
14) المبادرات القيادية لمعالجة ما يطرأ
إن مما يحفظ التنظيم و الصف من المشاكل الوافدة و الأمراض النازلة، مبادرة القيادة السريعة للمعالجة، و السرعة هنا لا تعني القفز فوق القواعد و الأصول المطلوبة في هذا الشأن، كدراسة المشكلة و تشخيصها و تحديد أسبابها و خلفياتها، و استكشاف أضرارها و مفاسدها، و بالتالي وضع الحلول الناجعة لمعالجتها في ضوء التجارب السابقة و اللاحقة و الاستفادة من تجارب الآخرين، إن ترك المشاكل و الأمراض تفعل فعلتها في البنية الحركية، وعدم الإسراع في مجابهتها و عزلها و محاصرتها من شأنه أن يوسع دائرة انتشارها و يغذي حجم أضرارها و مفاسدها، مما يجعل المعالجة بعد ذلك صعبة، إن لم تكن مستحيلة، و مما قد يتسبب في إهلاك البنية كلها. عندما وقع الخلاف بين المهاجرين و الأنصار و كاد الشيطان أن يغريهم بالاقتتال، بادر الرسول بدعوتهم، و خاطبهم من الزاوية التي كانوا عنها غافلين، حيث خرج لتوه دونما تأخر أو تأجيل، حتى جاءهم في حيهم فقال: ( يا معشر المسلمين ..الله الله.. أبدعوى الجاهلية و أنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله تعالى للإسلام، و أكرمكم به، و قطع عنكم به أمر الجاهلية و أنقدكم من الكفر و ألف بين قلوبكم ) ولقد كان من النتائج الفورية لهذه المبادرة القيادية أن بكى الجميع، و تعانقوا و عادوا أقوى تلاحما و محبة مما كانوا عليه. و تذكر السيرة أن أبا ذر الغفاري فال يوما لبلال بن رباح الحبشي :( يا ابن السوداء ) إثر شجار بينهما، و فور وصول الخبر إلى رسول الله (صعس) أرسل يطلب أبا ذر على الفور، وقال له : ( أتعيره بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ) فما كان من أبي ذر إلا أن وضع خده على الأرض و طلب من بلال أن يدوس عليه تكفيرا عن زلة لسانه. هذه مبادرات القيادة السريعة لمعالجة المشاكل، من شأنها أن تمسك بالصف و تحفظه من الاهتزاز و الضعف و السقوط .
15) قضاء حوائج الآخرين
من الصفات الحميدة للقيادة الرشيدة تعاظم شعور القائد بهموم الآخرين، و شعوره بالتعبد لله من خلال قضاء حوائجهم، و حرصه على رفع الظلم عنهم، فقائد الحركة مؤتمن على تحقيق العدل في صفوف أتباعه، و السهر على ضمان حقوقهم و صون مصالحهم، و مطلوب من قيادات الحركة أن يخدموا من حولهم، لا أن يستخدمهم، و أن يرعوا شئونهم لا أن يضيعوهم و يهملوهم، و أن يكشفوا الضر عنهم لا أن يضرهم. قد يظن البعض أنه لا علاقة للقيادة السياسية أو الحركية بالشأن الاجتماعي و نقول: إن القيادة في الإسلام كل لا يتجزأ، و القائد مسئول عن الآخرين في صون عقيدتهم و عبادتهم و حماية أنفسهم و أعراضهم و أرزاقهم، لا شك أن الرعاية الشاملة هذه تحتاج إلى مؤسسات و اختصاصات، إنما يجب أن يقع ذلك كله أيضا ضمن مسئولية القيادة و متابعتها ورعايتها، و ليس بعيدا عنها أو في معزل عنها. و أن يكون الصف على كفاية من الرزق، مأكلا و مشربا و منكحا و تعليما و تطبيبا، فهو مبعث استقرار و إنتاج و عطاء، و مصدر تلاحم و تواد و تراحم، و صدق رسول الله (صعس) حيث يقول: ( مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إدا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى)، و القيادة الحكيمة هي تلك التي تصنف الأدوار و توزع المسئوليات، و لا تدع أحدا عاطلا عن العمل و من غير المسئولية، لأن الفراغ مخيف و عرضة لأن يملأه الشيطان.
16) التبريرية ليست من خصال القيادة الإسلامية
من الصفات التي تتنافى و المبادئ الشرعية، لجوء القيادة إلى تبرير الأخطاء، مهما كانت لدفع المسئولية عن النفس، و الهروب من تكاليفها التي قد تكون باهظة. القيادة الإسلامية مطالبة بأن تقول الحق، و أن تحكم بالحق على مطلق الأحوال، خاصة إذا كانت القضية تخصها أو تخص المقربين منها. إنه ليس لأحد أن يكون فوق الحق و فوق الشرع كائنا ما كان مقامه، و قائد الحركة معني بذلك قبل غيره، فإن لم يكن و قافا عند الحق و تجاوز الشرع فإن الأتباع تجاوزوا، إن تبرير الأخطاء يعني عدم الاعتراف بها، و يعني استساغتها، و يعني تكرار الوقوع فيها، و التبرير هذا خلق ذميم لأنه لون من ألوان الكذب، و هو نوع من التحايل و الالتفاف على الحق، و هو دليل ضعف الإيمان، و تقديم خشية الناس على خشية الله مصداقا لقوله تعالى : ( يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ) الذين يستسيغون التبرير يمكن أن يستسيغوا فعل المنكرات الدعوية و الحركية و التنظيمية. إن حركة التاريخ الإسلامي مند العهد النبوي حتى اليوم لم تسجل الصحيح و السليم من الأفعال فقط، كما لم تسجل النجاحات و الانتصارات فحسب، و إنما سجلت هذا و ذاك، ليكون في ذلك فائدة و عبرة.
إن مما يزيد ثروة الحركات استفادتها من تجاربها، و تقويمها الصادق و الموضوعي لأعمالها و لإخفاقاتها و الهزائم تكشف ما هو مخبوء في الصف من دخن و زغل، و في ذلك فائدة عظمى لها إن هي أرادت الاستفادة من كل ما جرى و المبادرة إلى التصحيح و المعالجة.
المراجع:
فتحي يكن: قبسات مضيئة على طريق الصحوة الإسلامية، المشروع الإصلاحي للإمام حسن البنا تساؤلات لقرن جديد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق