8‏/7‏/2008

حركة مجتمع السلم إلى أين 2؟

حركة مجتمع السلم إلى أين 2؟

وأنا أرصد وأتابع ما يجري داخل بيت الحركة، تذكرت ما قال لي الشيخ محفوظ نحناح في أحد لقاءاتي معه قبل وفاته بأيام معدودات :"أخشى ما أخشاه يا عبد العزيز ان تفقد الحركة انسجامها".

وليس هناك خير دليل على أن الحركة فقدت انسجامها، ما يجري الآن بين الفريقين المتنافسين علي قيادة الحركة رغم ما يدعي كل طرف عبر وسائل الإعلام بأنه تنافس شريف لكن الوقائع على الأرض تدل على العكس (القول شيء والفعل شيء آخر).

ولا يمكن تغطية الحقائق والوقائع بالتصريحات العسلية أو وضعها على مشجب المتربصين بالحركة أو الحاقدين عليها، بل يجب على الغيورين والمخلصين من أبناء الحركة أن يهبوا هبة واحدة لإنقاذ أمل – لا أقول الحركة والجزائر بل- الأمة قاطبة وأن يبعدوا كل من يريد استعمال الحركة كسجل تجاري للمآرب الشخصية والمادية على حساب المبادئ والمصلحة العامة.

ووردت إلينا بعض التساؤلات من مناضلين و محبين وملاحظين تمثلت فيما يلي:

- هل هذا التدافع والتجاذب الذي خرج إلى العيان كان موجودا في عهد الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله أم لا؟

- لماذا خرج الخلاف إلى العلن وبطريقة غير مألوفة لمتتبعي الحركة وهل سببه يعود إلى ضعف المؤسسات في احتواء الخلافات؟

- ما هي نقاط القوى عند المتنافسين لرئاسة الحركة ونقاط الضعف؟

- ولماذا لازلت مقتنعا بأن دخول الفارس الثالث المتمثل في السيد عمار غول هو الحل للحركة؟

وللإجابة على هذه الأسئلة، وحتى لا أكون شاهد زور أقول، إن هذا السجال كان قائما حتى في وقت الشيخ محفوظ نحناح وكان الفريق الذي يؤيد الرئيس الحالي أبو جرة سلطاني يتهم الفريق الثاني المؤيد لعبد المجيد مناصرة بالإنفراد بالشيخ محفوظ نحناح والإحاطة به واستغلال المناصب لتحقيق مآرب شخصية على حساب المبادئ والمصلحة العامة، وفعلا كان هناك الكثير من الحقيقة فيما ذهب إليه هذا الفريق، لأن بعض القيادات التي كلفها الشيخ بتأدية مهمات، ومساعدته على أداء الأمانة استغلوا مناصبهم لتحقيق أغراض دنيوية محضة ومصالح شخصية، وادعوا بأنهم الصفوة المقربة وأصحاب المكانة، وكانوا فعلا يستخدمون مناصبهم لسد كل القنوات المؤدية إلى رئيس الحركة آنذاك المرحوم الشيخ محفوظ نحناح وأنه لا مكانة داخل الحركة ولا مسؤولية داخل الدوائر الحكومية إلا لمن يرضون عنه.

هذا ما جعل الكثير من المناضلين والإطارات المخلصة، إما تهمش أو تتوقف أو تدخل الصف، وكانت هذه التصرفات سبب الهزيمة في انتخابات 2002 وهذا باعتراف الرئيس الراحل محفوظ نحناح عندما صرح بأن أسباب الهزيمة من داخل الصفوف وتبين بأنه من كان يأتمنه على المسؤولية قد خانها وإليكم أحد الأمثلة التي كان يعبر لي بها عن تلك الفئة حيث قال لي" يا عبد العزيز هل تدري أن هنالك بعض من أبنائنا يأخذ صورا معي ليحتال بها على أموال الناس".

ولقد حاول الشيخ محفوظ نحناح فتح جلسات الإنصات والاستماع، لمعرفة أين مكمن الداء وكنت ممن اقترح عليه ذلك، وكان يريد فعلا بعد استتباب الأمن في البلاد، الاهتمام أكثر بالوضع الداخلي للحركة، وخير دليل على ذلك النقد الذاتي الذي قام به في نفس السنة بحضور عدة إطارات من برلمانيين ومنتخبي المجالس المحلية، إلا أن المرض باغته فجأة، ومن ثم تسارعت الأحداث ووافته المنية رحمة الله عليه ونسأل الله عز وجل إن يسكنه الفردوس لأنني أعتبره رجل مبادئ و أدى الأمانة على أكمل وجه.

لقد صادف موت الشيخ محفوظ نحناح اقتراب موعد المؤتمر الثالث للحركة وكان جل المناضلين وإطارات الحركة مستعدين للتغيير والدليل على ذلك النقاشات الحارة والبناءة التي دارت بين مناضلي وإطارات الحركة على مستوى البلديات والولايات تحضيرا للمؤتمر، إلا أنه عند مقربة المؤتمر بدأت عملية الإقصاء والتهميش لكل من لا يؤيد هذا الفريق أو ذاك –أي المترشحين آنذاك السعيدي وأبو جرة – وعند ظهور النتائج بفوز أبي جرة سلطاني استبشر به أبناء الحركة خيرا وعلقوا عليه آمالهم الكبيرة في إحداث التغيير، وكنت التقيت الشيخ أبو جرة مباشرة، بعد انتخابه رئيسا للحركة قدمت له التهاني ونصحته بأن يكون رئيسا للجميع، وأن مهمته ومسؤوليته كبيرة في نقل الحركة من طور التأسيس إلى طور المؤسسة، وأن يكون عند حسن ظن مناضلي وإطارات الحركة دون تمييز أو إقصاء، إلا أنه وبعد مرور 5 سنوات، أقولها وبكل صدق لم يتحقق التغيير المطلوب بل ازداد الشرخ بين الفريقين، على مستوى القيادات، أصبح منهم من لا يستطيع حتى الجلوس إلى جنب أخيه. والممارسات التي كان يعيبها مناصرو أبي جرة على فريق مناصرة، أصبحوا هم ذاتهم يمارسونها، كإسناد المسؤوليات داخل الحركة لأتباعهم دون غيرهم على حساب الكفاءة وغلق أبواب الحوار والنقاش في وجه الرأي المخالف، وأصبحت الحركة ومصالحها رهينة تجاذب الفريقين مما أضعف مؤسسات الحركة على القيام بمهامها على أحسن وجه.

ولهذا رفضت أن تحصر عملية الترشح لرئاسة الحركة في شخصين فقط، دون باقي إطاراتها ومن بينهم عمار غول، الذي أرى فيه الرجل الذي بإمكانه إحداث الإجماع داخل الحركة، كيف لا وهو الذي وقع عليه الإجماع خارج الحركة وحتى من خصومها، ففي زمننا لا يقاس القائد بالأقوال بل بالأفعال والرجل –أعني عمار غول- له من الكفاءة في تسيير الرجال وفتح المجال للكفاءات، دون النظر إلى مسالة الموالات ، والحركة اليوم في أمس الحاجة إلى قائد يحسن إدارة الموارد البشرية وفسح المجال لها لتخرج ما بجعبتها من ثروة.

إن الحركة تحتاج إلى القائد الذي يفعـِّل المؤسسات، لأن هناك بعض الذين حققوا أوضاعا اجتماعية تجلب لهم الجاه أو تدر عليهم السمن والعسل وربما مع النقد والتمحيص فقدوا منزلتهم التي نالوها تحت مظلة اللاوعي، لأن السمة الغالبة داخل المجتمع حين يكون التفكير في المادة تصبح هيمنة محبي المال والنفوذ ،الذين يسخرون الأفكار والأشياء لمصالحهم الشخصية، فتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والمواقع، وتسيطر أمور الحظوة لديهم على التفكير الحر حتى لا تترك متسعا للقضايا الكبرى ولا تدع مجالا للإحساس بالتحديات الداخلية والخارجية.

وفي هذا الجو تغيب المؤسسات ليحل محلها الشخص الواحد، والإرادة الواحدة، مع أن عصر الشخص الذي باستطاعته فعل كل شيء قد انتهى وتلاشى ،وقد ولى عصر المصلح الفرد، والمخطط الفرد، والمربي الفرد، اللهم إلا في ديارنا.

إن الاستبداد بالرأي هو جرثومة كل فساد ،ولاشك، لأن التقدم مرتبط بالمحاسبة والتخلف مرتبط بالفوضى وتغييب المؤسسات.

إن المراجعات أو النقد الذاتي ليسوا متوقفين على تقديم التنازلات للآخر، كما يظن البعض، بل النقد الذاتي هو تقييم للذات وتفتيش عن الأفكار والتطبيقات وتتبع السلبيات فيهما، بحيث نصحح تصوراتنا عنا، في مختلف الحقول التربوية كانت فكرية أو نفسية أو حركية اجتماعية.

خلاصة القول إن الحركة في حاجة لمراجعة أفكارها وخبراتها، في جو صحو لتحطيم صنمية الأفكار الجامدة والطقوس المنحرفة ،ولتتلاقى على كلمة سواء، أما الاستمرار في تضييع الوقت الثمين دون مراجعة، واستمرار الجمود الذي يعشقه الأتباع وتقديس العصبيات التي تشرى وتباع، فلا تفسير لذلك إلا ضعف البصيرة والبصر أو طول الأمل، ولا علاج لذلك إلا بطهارة العقل من سكرات الغفلة وسلامة النفس من شوائب العناد.

ومعا جميعا نحو الهدف

ليست هناك تعليقات: