مقدمة
بعد أن هدأت النفوس و خرجت الحركة من مؤتمرها الرابع بأقل التكليف و الخسائر وفصل المؤتمر في مؤسسات الحركة وقيادتها ، بعد مخاض عسير كاد أن يعصف بوحدة الصفوف، لو لا العناية الربانية ودعاء المخلصين من أبناء وبنات الحركة الدين سعوا بكل ما لديهم من أجل الحفاظ على مشروع الحركة
أكد أجزم وهذا رأي لا ألزم به أحد، أن المؤتمر الرابع فشل بكل المعاير، سواء قبل انطلاق المؤتمر ( استعمل الطرفان كل الوسائل الغير أخلاقية من أجل البقاء في القيادة أو الوصول إليها)، أما عند انطلاق المؤتمر فازداد الأمر سوء، و انسدت الأفق، و حبست الأنفاس، إلى أن جاء الفرج بعد صلاة الجمعة، التي فعلت فعلتها في النفوس، و استجاب الأخ الفاضل عبد المجيد مناصرة إلى نداء الأخ محجوبي الذي خطب الجميع وقال ( أليس فيكم رجل رشيد)، سواء سمية موقف الأخ انسحابا أم تنازلا لان العبرة ليست في المسميات لكن في المضامين، و هذا الموقف أدخل صاحبه ولا نزكي على الله أحد من الباب الواسع في صف الرجال الذين صدقوا ما عهد الله عليه فمنهم من قضى نحبه و من هم من ينتظر وما بدلوا تبديل، و هذا كذلك رأي في الرجل ولا أحمله أحد و أتحمل تبعاته، لأنني تربيت في مدرسة تقل للمحسن أحسنت و للمسيء أسأت ، وهذا الموقف لا ينقص من شرعية رئيس الحركة ، وأعتبر هذه اللحظات من صلاة الجمعة فما فوق هي الجانب الإيجابي في المؤتمر، و قد يشطروني في هذا الرأي الكثير من إخواني كما قد يخلفوني فيه الكثير من إخواني ، و هذه من طبيعة البشر إلا إننا نحن الإخوان نقر بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، أما بعد المؤتمر فالنقطة السوداء تمثلت في ازدواجية خطاب رئيس الحركة ( أتمنى أن يتسع صدر الرئيس لهذا الرأي)، بقدر ما كان خطاب الرئيس في القاعة البيضاوية، جامعا للشمل, متسامحا مع الأخر، معبرا على وحدة الصف، منبئا برئيس جميع أبناء الحركة لا رئيس فريق على حساب فريق، وأستبشر جميع الإخوان بأن الحركة خرجت واحدة موحدة ليس فيها منطق الغالب والمغلوب، بقدر ما كانت الندوة الصحفية مخيبة للآمال ، ساد فيها منطق المنتصر الذي من حقه أن يصادر الرأي المخالف، ونعث الطرف الأخر بالمنهزم الذي عليها الإذعان لإرادة المنتصر، واستعملت في الندوة مصطلحات غريبة لم أجد لها تفسير إلى يومنا هذا، ولبد من وضع هذه الندوة الصحفية في طي النسيان ، لهده الأسباب وأخرى لم يتسع المجال لذكرها، اعتبرت المؤتمر فاشلا مقرنتا بمؤتمرات الحركة السابقة، وعند قرأت مسلسل الأحداث فإن السلبيات تفوق الإيجابيات، وهذا رأي لا أحمله أحد، بل أساهم به مع إخواني من أجل الوصول معا إلى الهدف، و الله من وراء القصد و هو يهذي السبيل.
أين الخلل؟
إنه بات من واجب أبناء الحركة اليوم قيادتا و قاعدة، والأمر جلل و من أولويات القيادة الجديدة فتح نقاش واسع صريح و شفاف، تشارك فيه جميع طاقات الحركة ويتم إسناده إلى هيئة يكون من مهامها ، الإشراف على جلسات الإنصات و النقاش من أجل وضع اليد على مكمن الخلل و صياغة الحلول، و الإيجاب على السؤال الأتي : ما هي الأسباب التي أوصلت الحركة إلى هذا المستوى من التدني في الأخلاق و تدني المستوى التربوي حتى أصبح الأخ يجرح في أخيه، و يخونه، و ينتهك عرضه, ويستعمل كل الوسائل من أجل الوصول إلى الغاية، و طغيان المنطق الحزبي الضيق على حساب الأخوة المبنية على الحب في الله و البغض في الله، فقدان الثقة بين القيادة حتى و صل الأمر إلى عدم قدرتهم الجلوس إلى طويلة الحوار من أجل حل أي خلاف مهما كانت درجة هذا الخلاف، كيف وصل الأمر بنا إلى غاية استعمال المنصب و النفوذ من أجل البقاء فيه إلى أخره من الآفات التي كنا بالأمس القريب نعيبها على النظام و أجهزته الأمنية.
ما الذي أوصل الحركة إلى ما وصلت إليه، و هي التي شاهد لهل العدو قبل الصديق، بالانضباط و الانسجام، و الأخوة الصادقة، والعمل من أجل مرضاة الله لا غير، حركة تبنت منهاجا تربويا ربانيا.
ما هو الحل ومن أين نبدأ ؟
الخلل حسب رأي و مساهمة مني في إيجاد الحلول يكمن في النفوس التي يجب أن تتغير، وأداة تغير النفوس هي التربية و إعادة النظر في مناهجنا التربوية و أدواتها وو سائلها، وطرق تنفيذها، ووضع الأهداف المرجوة، واختيار الرجال الأكفاء للسهر على حسن تنفيذها.
لابد أن نعي في الحركة قيادة و مناضلين، الحقيقة التي يبدو لي إننا تنسينها في خضم الأحداث، بأننا حملت
دعوة إسلامية رسالتها
1 ) رسالة تربية قبل أن تكون رسالة تشريع و تنظيم
2 ) رسالة أخلاق و عقائد قبل أن تكون رسالة قتال و جهاد
3 ) رسالة قيم و مبادئ قبل أن تكون رسالة اتساع و انتشار
لذلك كانت أولى خطوات التغيير و الإصلاح موجهة إلى القلب و النفس، و من أجل ذلك كانت وحدة القلوب المؤمنة سابقة على وحدة الصفوف بالتنظيم و التخطيط ، و من هذا التوجيه علمنا رسول الله ( صعسلم) من أين نبدأ، نبدأ بالصلاح قبل الإصلاح، صلاح القائد والمناضل ،لأنهما أداة التغيير فنحن في أمس الحاجة إلى :
1) يقظة الأرواح و حياة القلوب.
2) صحوة الوجدان و المشاعر.
3) نفوس حية قوية فتية، تتصور مثلا عليا و أهداف سامية لتسمو نحوها.
لبد أن نعود إلى الأهداف التي من أجلها تأسست الحركة في المرحلة السرية قبل أن تسمح لها الظروف للخروج إلى العلن وهي:
1) أن يتعرف الناس إلى ربهم ، و أن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسموا بأنفسهم من جمود المادة الصماء و جحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة و جمالها.
2) إننا نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا.
3) أن هذه الحركة الدعوية لا يصلح لها إلا من حاطها من كل جوانبها، ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه و ماله ووقته وصحته.
لقد ابتعدنا وانحرفنا عن منهجنا التربوي الذي من خصائصه إنشاء جيل يحقق معنى (رهبان في الليل فرسان في النهار)، حيث ترى المناضل في المحراب خاشعا متبتلا يبكي و يتذلل، و بعد ذلك يكون هو بعينه واعظا مدرسا يقرع الأذان بزوا جر الوعظ ، و بعد قليل تراه نفسه رياضيا أنيقا يرمي الكرة، أو يتدرب على العدو أو يمارس السباحة، و بعد فترة يكون هو بعينه في المجالس البلدية أو البرلمان مدافعا عن حقوق المظلومين و المستضعفين.
يقع على عاتق القيادة الجديدة ، و القائمين على أمانة الدعوة و التربية و الإرشاد، العودة إلى أولويات منهجنا التربوي و التركيز على القضايا التالية :
1) تلاوة القرآن و الاستماع إليه و فهمه، على أن يقرأ القارئ بتدبر و خشوع، و أن يستلهم الرشد و السداد، و أن يجمع شوارد فكره حين التلاوة مع حفظ ما يمكن حفظه
2) الاكتار من القراءة في حديث رسول الله (صعسم)، مع حفظ بعض الأحاديث.
3) دراسة السيرة و تاريخ السلف.
4) دراسة رسالة في أصول العقائد، و رسالة في فروع الفقه.
5) الإكثار من المطالعة في رسائل الإخوان و جرائدهم و مجلاتهم و مواقع الانترنت الخاصة بهم و كتبهم الدعوية و التربوية و ما يتناول حاضر المسلمين و مشاكلهم.
لبد من أن يشرف على مثل هذه البرامج مربين لهم من الكفاءة والأساليب التربوية الحديثة مع استعمال أحدث الوسائل البيداغوجية ( كاالبوربونت و الدطاشو الخ من الوسائل).
يسعى هذا المنهج التربوي إلى تحقيق شعار الحركة العلم، العمل، العدل:
1) بغير العلم بكتاب الله، و تاريخ الدعوة الإسلامية، و واقع الحياة فإن الحماس يؤدي بصاحبه إلى الانحراف و الاصطدام و التحطم.
2) بغير التربية على منهج الدعوة في الحب، و الامتزاج الروحي، و الصفاء، و التنافس في البذل، و العمل، و التضحية، و احتمال المشاق في سبيل الدعوة، فإن الجاه و المال، و السلطان يغريان العامل بسلوك طريق الدس و الوقيعة، و لو كان شيخا أديبا عالما فقيها لبقا ذلق اللسان واضح البيان، غير أن هده التربية لا تتم بالكلام النظري، و إنما بالممارسات العملية.
3) بغير الجهاد يصبح الإيمان مخدرا في النفوس، لا ينزل على حكمه ولا يعمل بمقتضاه، فإذا اغفل المناضل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها، ولا يحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها، بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة و هذا النسيان حتى يصبح يعمل ضدها و هو يشعر أولا يشعر، وهذا ما حدث فعلا قبل و أثناء المؤتمر الرابع.
و الجهاد أن يدرك المناضل في الحركة قائدا كان أو عاملا أن لب دعوته فكرة و عقيدة يقذف بها في نفوس الناس ليتربى عليها الرأي العام، و تؤمن بها القلوب، و تجتمع غليها الأرواح، ذلك هو العمل للإسلام و العمل به في كل نواحي الحياة.
و نتيجة هذه التربية، أن يشعر ابن الحركة أنه روح جديد يسري في قلب الأمة، فيحيه بالقرآن، و نور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، و صوت داو يعلو مرددا دعوة الرسول (صلعسم).
و عليه أن يدرك منزلته هذه فلا يصغر نفسه فيقيس نفسه بغيره أو يسلك في دعوته سبيل غير سبيل المؤمنين، أو يوازن بين دعوته التي تتخذ نورها من نور الله، و منهجها من سنة رسول الله (صلعس)، بغيرها من الدعوات التي تخلقها الضرورات و تذهب بها الحوادث و الأيام.
و أقترح على القائمين على آمنة الدعوة و التربية و الإرشاد، مراجعة الرسائل التالية ( دعوتنا في طور جديد، دعوتنا، إلى أي شيء ندعو الناس )
وفي ختام هذه المساهمة البسيطة سائلا الله عز و جل أن تكون خالصة لوجهه لا نريد من ورائها إلا الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيل، واليكم في النهاية ما جاء على لسان مرشدنا الإمام حسن البنا رحمة الله غليه و قدس تراه مجدد القرن دون منازع،
إن تكوين الأمم، و تربية الشعوب، و تحقيق للآمال و مناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:
1) إرادة قوية لا يتطرق إليه ضعف.
2) وفاء ثابت لا يعدو عليه غدر و لا تلون.
3) تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع و لا بخل.
4) معرفة بالمبدأ و إيمان به و تقدير له، يعصم من الخطأ فيه و الانحراف عنه و المساومة عليه و الخديعة بغيره.
على هذه الأركان الأولية هي من خصوص النفوس وحدها, و على هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ، و تتربى الأمم، و تتكون الشعوب الفتية و تتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة طويلا.
كل حركة فقدت هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقدها قوادها و دعاة الإصلاح فيها, فهي حركة عابثة، مسكينة، لا تصل إلى الخير، و لا تحقق أملا، حسبها أن تعيش في جو من الأحلام و الظنون و الأوهام ( و إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (يونس الآية 36).
هذه أولى المساهمات التي أضعها بين يدي إخوان و أساتذتي، إستحلاصا للدروس و العبر من المؤتمر الرابع، راجيا أن تلقى صدورا رحبا و أدان صاغيا، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والله أكبر و لله الحمد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق