بعد بسم الله الرحمّن الرحيم، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمّد المرسل رحمة للعالمين، و نحن على مقربة من تجديد هياكل الحركة، يطيب لي أن أجدد لكم التهاني إثر انتخابكم لعهدة ثانية لرئاسة الحركة، كما أسأل الله عز و جل أن يسدد خطاكم لقيادتها إلى ما يحبه و يرضيه، و يحقق أمال الأمة الإسلامية بصفة عامة، و أمال الجزائريين بصفة خاصة، و أمال و طموحات مناضلي و إطارات الحركة الذين حمالكم مسئولية قيادة سفينة الحركة إلى بر الأمان.
سيدي الرئيس إن الحركة في أمس الحاجة اليوم و بعد ما أصابها من جدل قبل و أثناء و بعد المؤتمر الرابع، لمراجعة أفكارها وخبراتها، في جو صحو لتحطيم صنمية الأفكار الجامدة والطقوس المنحرفة ،ولتتلاقى على كلمة سواء، أما الاستمرار في تضييع الوقت الثمين دون مراجعة، واستمرار الجمود الذي يعشقه الأتباع وتقديس العصبيات التي تشرى وتباع، فلا تفسير لذلك إلا ضعف البصيرة والبصر أو طول الأمل، ولا علاج لذلك إلا بطهارة العقل من سكرات الغفلة وسلامة النفس من شوائب العناد.
إن المراجعات أو النقد الذاتي الذي أدعو إليهما، و أعتقد أن الحركة في أمس الحاجة إليهما اليوم وقبل أي وقت، و لا يقبلا التأجيل، ليسوا متوقفين على تقديم التنازلات للآخر، كما يظن البعض، بل النقد الذاتي هو تقييم للذات وتفتيش عن الأفكار والتطبيقات وتتبع السلبيات فيهما، بحيث نصحح تصوراتنا عنا، في مختلف الحقول التربوية كانت فكرية أو نفسية أو حركية اجتماعية.
سيدي الرئيس كلنا يعلم و أنت أولنا، بأن الاستبداد بالرأي هو جرثومة كل فساد، ولاشك، لأن التقدم مرتبط بالمحاسبة والتخلف مرتبط بالفوضى وتغييب المؤسسات.
إن الحركة في أمس الحاجة إلى القائد الذي يفعـِّل المؤسسات، لأن هناك بعض الذين حققوا أوضاعا اجتماعية تجلب لهم الجاه أو تدر عليهم السمن والعسل وربما مع النقد والتمحيص فقدوا منزلتهم التي نالوها تحت مظلة اللاوعي، لأن السمة الغالبة داخل المجتمع حين يكون التفكير في المادة تصبح هيمنة محبي المال والنفوذ ،الذين يسخرون الأفكار والأشياء لمصالحهم الشخصية، فتدور الاهتمامات حول القضايا التي تثيرها المنافسات والمواقع، وتسيطر أمور الحظوة لديهم على التفكير الحر حتى لا تترك متسعا للقضايا الكبرى ولا تدع مجالا للإحساس بالتحديات الداخلية والخارجية.
وفي هذا الجو تغيب المؤسسات ليحل محلها الشخص الواحد، والإرادة الواحدة، مع أن عصر الشخص الذي باستطاعته فعل كل شيء قد انتهى وتلاشى، وقد ولى عصر المصلح الفرد، والمخطط الفرد، والمربي الفرد، اللهم إلا في ديارنا.
سيدي الرئيس إن جل مناضلي الحركة في حاجة ماسة أن تظهر لهم ما مدى كفاءتك و نزاهتك و إخلاصك في تدبير شؤون الحركة، و فدرتك على تجميع الصفوف و توحيدها و السير بها نحو الهذف المتمثل في إقامة الشهادة.
إن المناضلين لا يطلبون منك أن تكون صورة طبق الأصل للشيخ محفوظ نحناح أو الشيخ أبو سليماني رحمة الله عليهما و هذا ليس من حقهم، و لا بمقدورك، بل يريدونك رئيسا للجميع، , و إنما يتفاضلون بقدر ما يتفضلون بالتقوى و البذل و التضحية , و قدوتك في ذلك أئمة الهدى الأولون من أمثال أبى بكر و عمر, الذي قال أحدهم يوم ولى الخلافة ( القوي فيكم ضعيف عندي حتى أخد منه الحق, و الضعيف فيكم قوي عندي حتى أخد له الحق)
إن ما ينتظره منك مناضلي و إطارات الحركة الغيورين عليها، هو:
إحداث التغيير الحقيقي وبناء مؤسسات وربطها بجملة من الشروط التي تحميها من الوقوع في الممنوع والمحظور، حيث بقدر اتساع الحركة تتسع جبهات التحدي حولها.
إعادة الانسجام داخل الحركة والعودة بها إلى الصفات التي حرص رئيسها السابق المرحوم الشيخ محفوظ نحناح أن تكون وثيقة الصلة بها والمتمثلة في التسامح، التصالح، الرحابة، الاستيعاب والابتعاد كل البعد عن أجواء المشاحنات والتجاذبات على أن يكون الحوار سبيلا لتسوية كل اختلاف.
إعادة النظر وبصفة جادة في سياسة التنمية البشرية داخل الحركة، وإعادة الاعتبار للإطارات والمناضلين المخلصين والنزهاء والأكفاء الذين اصطدمت طموحاتهم ورغباتهم الصادقة في العمل والإخلاص للمشروع بعقلية بعض قياداتهم الاستبدادية والانتهازية.
إنكم مطالبون سيدي رئيس الحركة، بفتح نقاش واسع، والقيام بعرض حال مؤسسات الحركة من القمة إلى القاعدة والوقوف على مكامن الخلل، ووضع الحلول الناجعة، وكذا وقف ظاهرة الحجر على أفكار المناضلين المخلصين الذين انكمشت إرادتهم أمام المستبدين وصرف هذه الطاقات وفسح المجال أمامها نحو الأفيد، ومعالجة ظاهرة التفكير بالنيابة عن الآخرين والوصاية على عقولهم وذلك بفتح قنوات الحوار والنقاش معهم، وتحسسيهم بأنهم شركاء في اتخاذ قرارات الحركة، لأن التفكير بالنيابة فيه امتهان لعقول المناضلين لا يليق أن يوصف به العاملون في الحركة، فهذا يعني تجميد عقل المناضل ورفض ابتكاراته والتهوين من أمره.
إنه يقع على عاتقكم سيدي رئيس الحركة، و في أقرب الآجال، وضع حد لظاهرة تسلل وتسرب "عن غفلة من رقيب" عدد كبير من الانتهازيين والفتانين والمفرقين للجماعة، الذين شوهوا وجه الحركة واتخذوا من مناصبهم أداة لتحقيق مآرب شخصية على حساب المصلحة العامة.
كما نناشدكم الإسراع في وضع سياسة واضحة اتجاه الشباب وتقليده أدوار قيادية داخل مؤسسات الحركة وإشراكه في اتخاذ القرارات ووضع الخطط والمناهج التي يراها صالحة لعلاج مشاكله المختلفة كالبطالة، الهجرة غير الشرعية "الحراقة"، المخدرات... الخ، حتى نجعل من شباب الحركة نماذج يقتدي بها بقية الشباب الجزائري.
هذه سيدي رئيس الحركة بعض المسائل التي رأيت بأنه من واجبي كمناضل و إطار من إطارات الحركة، أن أضعها بين أيديكم مستخدما واجب النصح، مصدقا لقول الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) حيث قال: (الذين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله و لرسوله، و للأئمة المسلمين و عامتهم )
و نبقى دائما و أبدا سائرين معا نحو الهذف و الله أكبر و لله الحمد
الجزائر في 27 جوان 2008 الموافق ل 23 جمادى الثاني 1429 هجري

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق