15‏/4‏/2009

شرعية الديمقراطية المغشوشة



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من غشنا فليس منا".

إن المتمعن في نتائج الانتخابات الرئاسية لـ 09 أفريل 2009 يدرك بأنها جاءت كتتويج لسياسة الديمقراطية المغشوشة التي انتهجها النظام عندما انقلب على الشرعية الشعبية في جانفي 1992، والتي على إثرها دخلت الجزائر في دوامة العنف والإرهاب، والتي كانت سببا في اغتيال المرحوم بوضياف،ثم في التزوير الرهيب الذي وقع في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، مرورا بالانتخابات البرلمانية لسنة 1997، لتتحول شرعية الديمقراطية المغشوشة في الانتخابات المحلية لسنة 2002 من التزوير المفضوح إلى التزوير الذكي، وهي نفس السياسة التي سادت أجواء الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 حيث تم إقصاء المرحوم الشيخ محفوظ نحناح من السباق بدعوى أنه لا يملك شهادة المساهمة في حرب التحرير، وصولا إلى الانقلاب على دستور 1996 في نوفمبر 2008، وتعديل المادة المقيدة للعهدات الرئاسية بعهدتين فاتحة بذلك أبواب الرئاسة أمام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مدى الحياة.

قراءة سريعة في النسب المعلنة:

إذا كانت نسبة الأصوات 90,24 بالمائة التي على إثرها فاز الرئيس القديم الجديد السيد عبد العزيز بوتفليقة بولاية ثالثة لا يعتبرها الكثير من المتتبعين مفاجئة نظرا لعدم وجود منافسين من الحجم الكبير وللإمكانيات المادية غير المتكافئة التي أظهرت مرشح النظام وكأنه ينافس ظله.

إلا أن نسبة المشاركة المعلنة والمقدرة بـ 74 بالمائة هي التي اعتبرها معظم الجزائريين استخفافا بعقولهم ولا يمكنهم تصديقها أبدا، لأن هذه النسب لا يمكن تحقيقها حتى في الديمقراطيات العريقة ناهيك عن خلو هذه الانتخابات من عناصر المنافسة والتشويق التي تدفع بالمواطن الذهاب إلى صناديق الاقتراع على اعتبار أن الرئيس المترشح عبد العزيز بوتفليقة قد عبّد له طريق للعهدة الثالثة ابتداء من عهدته السابقة سنة 2004، بإزاحة كل من تسول له نفسه أن ينافسه على هذا المنصب ولو كان من أقرب الأقربين وإظهاره على أنه هو من أعاد الحياة إلى الجزائر منذ مجيئه سنة 1999، حتى يخيل لك أن هذه الجزائر اكتشفت في تلك السنة، فضلا عن غلق المجال السياسي والإعلامي بقمع الحريات وعدم السماح بإنشاء أحزاب سياسية، والإبقاء على حالة الطوارئ رغم اعتراف السلطة بتحسن الوضع الأمني وتحقيق المصالحة الوطنية.، وقمع كل محاولة لإنشاء نقابات مستقلة خرقا للدستور الذي يبيح التعددية النقابية والحزبية ، والعمل على تفجير الأحزاب السياسية من الداخل علمانية كانت أم إسلامية، تارة بالتهميش وتكميم الأفواه وتارة أخرى بشراء الذمم بالمناصب والامتيازات المادية وتقريب ذوي الجهة والعشيرة على حساب الكفاءة، وهو حرق للمادة 21 من الدستور التي تنص صراحة على أنه "لا يجوز استعمال السلطة في مؤسسات الدولة كمصدر للثراء ولا وسيلة للمحسوبية والجهوية والإقطاع".

شكك معظم المترشحين في رئاسيات 2009 في هذه النسبة وعلى رأسهم السيدة لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال التي احتلت المرتبة الثانية بنسبة 4,23 بالمائة حيث صرحت في ندوة صحفية "بأن التزوير شامل و التجاوزات في جميع ولايات الجمهورية" مارسه أعوان الإدارة و بأنها رفعت ألاف الطعون إلى المجلس الدستوري ، و قالت بان أعوان الإدارة قاموا بذلك تملقا للرئيس المترشح و فهموا قول بوتفليقة " أريد أغلبية ساحقة على أنه سحق لضمائر الشعب الجزائري" ، و شبهت الوضع " بنفس ما كان يمارس في فترة الحزب الواحد" و رفضت لويزة حنون نسبة 74% التي تخص المشاركة الشعبية و قالت بأنها لا تتجاوز 50 % ، كما لفتت الانتباه إلى أن " التجاوزات التي حصلت أنقصت من مصداقية الرئاسيات ، و جعلتنا نشبه حالة الجزائر يوم الخميس بجمهوريات الموز" .

و صرح من جهته السيد جهيد يونسي الأمين العام لحركة الإصلاح الوطني، الذي أحتل المرتبة الرابعة ب %1,37 من أصوات الناخبين " بان التزوير وقع في كامل ولايات البلاد بلا استثناء و أنه يمتلك عشرة محاضر رسمية تثبت وقوع تجاوزات خطيرة في عدت ولايات البلاد مثل تيباز، الجزائر العاصمة و المسيلة و قسنطينة" و أشار بأن بوادر التزوير لصالح " مرشح النظام" طهرت طهر الخميس عندما شرع في طرد المراقبين و ممثلي المترشحين مستدلا بوقائع ضرب و تعد جسدي على أنصاره و أكد السيد يونسي بأنه يحوز على إثباتات بان الإدارة قامت بملء الصناديق لفائدة مرشح النظام و رفض هو الأخر نسبة المشاركة المعلنة من طرف وزير الداخلية و قال أنها لا تتجاوز 25 % .

أما السيد فوزي رباعين رئيس عهد 54 و الذي جاء في المرتبة الرابعة ب 0,93 بالمائة، فقد قال بان الفوز الكاسح لبوتفليقة يجعل الجزائر ترحب " بالملكية" و يدعو لنقاش حقيقي حول صحة الأرقام المعلن عنها و قال أيضا " الجزائر اليوم تودع مبادئ نوفمبر و ترحب بمملكة بوتفليقة الذي يذكرنا بالزعيم الإفريقي بوكاسا" و قال بشان الملاحظين الدوليين الذين قدموا من الجامعة العربية لمراقبة الانتخابات بنسخة للأنظمة العربية.

من جهته قال السيد عبد الله جاب الله الذي قاطع الانتخابات الرئاسية و اعتبرها " كذبة كبرى يتعاون النظام و أولياؤه من أحزاب و جمعيات و منظمات و إعلام على الترويج لها"، و ردا على سؤال حول نسبة المشاركة القوي قال عبد الله جاب الله أن معطيات استقاها خلال يوم الاقتراع من مناضليه في ولايات كثيرة تؤكد غياب شبه كلي للمواطنين عن مكاتب التصويت ما عدا المكاتب التي كانت مجاورة للثكنات و بعض المكاتب المعزولة التي شهدت بعضا من الإقبال النسبي و قال أن نسبة المشاركة لا يمكن أن تتعد في أحسن الأحوال 20% .

كيف تجري عملية التحضير للانتخابات من وراء حجاب:

لقد اكتسبت الجهات المشرفة على تنظيم الانتخابات احترافية كبيرة في تزويرها زيادة على أن العملية في حد ذاتها جد معقدة، إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الهائل لمراكز التصويت (47000مكتب) الموزعة على مساحة الجزائر إضافة إلى الجالية الجزائرية في أوروبا وأمريكا والشرق الغربي الذي يشمل أكثر من 20مليون ناخب، نجد على رأسها ظاهريا اللجنة الوطنية المكلفة بالانتخابات التي يترأسها الوزير الأول أحمد اويحيى لكن في الواقع هذه اللجنة شكلية مثلها مثل لجنة المراقبة والدليل على ذلك الدور الذي قام به الوزير الأول في الحملة الانتخابية دون التفرغ بتاتا في كيفية ضبط العملية الانتخابية، حيث ترك مهمته لغيره، المهمة يقوم بها جهازي الأمن و الولاة. جهازا الأمن يمثلان النواة الصلبة في المعادلة، فقدرتهما على جمع المعلومات تعطي لهما كل الصلاحيات في ضبط العملية بدقة من بدايتها إلى نهايتها. ثم يأتي دور الولاة الذين يمثلون الدولة الفعلية وفي المرتبة الثالثة رؤساء الدوائر ثم رؤساء البلديات في المرتبة الأخيرة.

ظاهريا إذن الأحزاب تراقب واللجنة تراقب والمواطن يراقب و الموفدون الدوليون يراقبون، لكن الواقع غير ذلك.

نذكر جميعا كيف تمت عملية حشو الصناديق في رئاسيات 1995 وتشريعات 1997 عندما رسم"الرجال الواقفون" كاريكاتير للعملية الانتخابية بحكم القوة التي كانت بين أيديهم .

الوضع لم يتغير كثيرا في الشكل والمضمون، حيث تشرف مصالح الأمن على جميع المراحل دون إهمال أي جانب ليأتي الولاة فيوظفون صلاحيتهم في إبعاد الفضوليين عن الطبخة الانتخابية فيجمعون الأرقام ويحولونها إلى الداخلية ثم يقوم وزير الداخلية بإملاء النتائج، ويعطيها المجلس الدستوري طابعها الرسمي.

وهكذا يقوم المزورون في غرفة محصنة بالاستيلاء على الإرادة الشعبية مع سبق الإسرار و الترصد.

النظام المبني على مبدأ "لا أريكم إلا ما أرى" لا زال قائما:

إن النتائج الرئاسية إن ذلت على شيء فإنها تدل على إن النظام القائم على مبدأ"لا أريكم إلا ما أرى" لازال قائما مند الاستقلال حيث انحرف آنذاك بتضحيات الشعب الجزائري المجاهد الذي واجه الاستعمار الفرنسي وقدم أزيد من مليون ونصف مليون من الشهداء من اجل استرجاع سيادته كاملة غير منقوصة و المعلنة في بيان أول نوفمبر و المتمثل في قيام "جمهورية جزائرية ديمقراطية شعبية على أساس المبادئ الإسلامية" وكرست هذا المبدأ المادة الثانية من الدستور حيث تنص على أن" الإسلام دين الدولة".

إن ما يمكن استخلاصه أيضا من هذه النتائج بأن النظام لا يقبل إلا الديمقراطية التي يضع قواعدها و يتحكم في الأحزاب التي تنشطها وهامش الحرية التي بإمكانها التحرك فيه، و يقوم باختيار حتى المنافسين الذين يتنافسون مع رموزه ولا يقبل النتائج إلا التي تمكنه من البقاء في السلطة، إن النظام الجزائري يريد فرض "الديكتوقراطية" إذا صح هذا المصطلح. بمعنى أن النظام يريد أن يكون هو الخصم والحكم في وقت واحد.

النتائج التي أعلنها السيد نور الدين يزيد زرهوني وزير الدولة وزير الداخلية، تؤكد بان السلطات متوجهة إلى الغلق المحكم للساحتين السياسية و الإعلامية، كما تؤكد بان الجزائر بعد 20سنة من التعددية خطت خطوة إلى الإمام وخطوات عديدة إلى الوراء، فالنتائج أكدت حنين و عودة الجزائر إلى النتائج المسجلة في بلدان العالم الثالث على غرار تونس و مصر سوريا وغيرها من الدول التي تفتقر إلى أدنى شروط الديمقراطية والحرية ومبادئ احترام حقوق الإنسان.

و مهما كانت درجة ذكاء السلطة في تضخيم نسبة المشاركة و تقديم المبررات التي دفعت الجزائريين إلى التوجه بكثافة إلى مراكز التصويت والحملة الإعلامية المركزة التي شددت على "انجازات عهدتي الرئيس " فانه يصعب على الإنسان العادي و المنطقي أن يهضم أن ثلاثة أرباع الجزائريين صوتوا في هذه الانتخابات لأنها ببساطة أرقام خيالية.

كما أن نتائج الرئاسيات بينت للشارع الجزائري و العربي والعالمي بشكل واضح أن الديمقراطية في الجزائر ليس في مقدورها أن تكون الاستثناء العربي لان العالم العربي لم يعرف حتى الآن أن رئيسا في السلطة يمكن أن يغادرها عن طريق الانتخابات لان هذه الآلية السلمية للتداول على السلطة في عالمنا العربي المغلوب على أمره لها وظيفة واحدة هي تزكية من هو موجود في السلطة ولو بشرعية الديمقراطية المغشوشة، و على حساب الإرادة الشعبية التي هي مصدر السلطة بنص كل الدساتير العربية، وتأجيل فرص التغيير إلى إشعار آخر.

في الأخير اذكر بقول الله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤذوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا " النساء الآية (58 )

ويقول الرسول "صلى الله عليه وسلم: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع"

9‏/4‏/2009

هاجس نسبة المشاركة يخيم على انتخابات 09 أفريل


ونحن على بعد 24 ساعة من انطلاق عملية الاقتراع لانتخاب رئيس الجزائريين لفترة 5 سنوات (2009 – 2014) والتي لن تحمل أي مفاجئة فهي محسومة النتائج مسبقا، لصالح مرشح النظام والرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، منذ أن تم الانقلاب على دستور 1996 الذي حدد العهدات الرئاسية بعهدتين، لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سنة 1988 ويتبخر معها أعظم مكسب من مكاسب الديمقراطية ألا وهو التداول على منصب رئيس الجمهورية ووضع حد لخلود الحاكم في أعلى منصب في الدولة الجزائرية هذا المكسب الديمقراطي الذي حسدتنا عليه الكثير من الدول العربية والإسلامية وتباهينا به أمام الدول العتيقة والعريقة في الممارسة الديمقراطية وذهب ضحيته أكثر من 100 ألف جزائري وجزائرية.

لكن ورغم كل هذا يبقى الهاجس الكبير الذي يؤرق النظام الجزائري الشائخ هو ضعف نسبة المشاركة والتي تدل كل المؤشرات على أنها ستكون ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالانتخابات الرئاسية السابقة.

الجزائر تتجه بخطى سريعة إلى ما قبل 1988

تميزت الحملة الانتخابية التي دامت 19 يوما بخطاب مستنسخ من حملة 2004، حيث غلب عليها الهاجس الأمني وتدني ظروف معيشة المواطن، بينما غاب عن اهتمامات أغلب المترشحين مصير الحريات والديمقراطية والتداول على السلطة، وحرية الصحافة وحرية تأسيس الأحزاب وإنشاء النقابات المستقلة واستقلالية القضاء وفتح الاستثمار في المجل السمعي البصري وإنشاء القنوات الفضائية الخاصة، وفتح وسائل الإعلام العمومية الثقيلة وعلى رأسها التلفزيون أمام كل القوى السياسية وعدم إبقائها حكرا على ممثل النظام ومن سار في فلكه.

أكثر ما يشد الانتباه في الحملة الانتخابية التي أسدل ستارها أمس، الفارق الكبير في إمكانيات المترشحين حيث استحوذ مرشح النظام السيد عبد العزيز بوتفليقة على وسائل الدولة الجزائرية ووظف أموال الخزينة العمومية لتحفيز الجزائريين على المشاركة في الانتخابات، فراح يغدق الأموال على الفلاحين بمسح ديونهم التي قدرت بـ 41 مليار دينار، وتم تسديد أجور العمال التي ظلت محجوزة لأزيد من سنتين ورفع منحة الطلبة من 2700 دج إلى 4000 دج كل ثلاثة أشهر وهو ما يعادل حوالي 40 أورو لتصبح منحة الطالب شهريا 1300 دج ما يعادل 13 أورو، وماذا عساها أن تفي هذه المنحة من حاجات الطلبة الذين يقع على عاتقهم مستقبل الأمة، وكما تم أيضا تخفيض تذاكر السفر بالنسبة للمغتربين الجزائيين بنسب متفاوتة تصل إلى 50 بالمائة، دون أن ننسى التكاليف الباهظة للحملة الانتخابية التي قدرت بملايير الدينارات.

هذا الفارق في الإمكانيات ترك انطباعا بأن السيد عبد العزيز بوتفليقة سيتنافس مع ظله يوم 09 أفريل 2009.

لقد عمد الرئيس القديم ومرشح النظام للعهدة الثالثة، والأحزاب والجمعيات والأشخاص الموالون له إلى الترويج لجملة واحدة للتعبير على نجاح المصالحة وعلى إظهاره بأنه الفارس المنقذ للجزائر وكأن الجزائر لم تكن دولة قبل مجيء عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999 بقولهم "قبل عام 1999 كان المواطن يدخل بيته بدءا من الساعة الخامسة مساء" يعني وبحسب هذا المفهوم أن الجزائريين كانوا لا يؤمنون على حياتهم قبل أن يتولى بوتفليقة شؤونهم ومحاولة تبييض وجه النظام الذي له المسؤولية الكاملة في ما آل إليه الوضع في الجزائر منذ الاستقلال بسبب قمع الحريات وتكميم الأفواه وشراء الضمائر وتزوير إرادة الشعب في اختيار ممثليه بكل حرية.

وللشهادة أقول وحتى لا نبخس الرجال حقهم فإن أول من سعى إلى المصالحة بين أطراف النزاع في الأزمة الجزائرية، ومباشرة بعد وقوع الانقلاب على الإرادة الشعبية في انتخابات 1991، هو الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله وكان شعارها "الجزائر حررها جميع المخلصين ويبنيها جميع المخلصين" ورفض الإقصاء والتهميش وتزوير الإرادة الشعبية الحرة ونادى إلى التداول السلمي على السلطة أو البقاء فيها، بينما كان في ذلك الوقت من ينادي بالمصالحة يتهم من جهة من طرف العلمانيين بالخيانة والتعاون مع الإرهاب، ومن جهة أخرى يهدد من طرف الجماعات المسلحة بالموت وترسل إليه مستلزمات الغسل والتكفين. فأين كان بوتفليقة من كل هذا؟؟... كان في غربته الخليجية التي دامت 20 سنة.

من الظواهر التي تنفر الجزائريين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع هو التفاف الانتهازيين والمتملقين والإنبطاحيين وعديمي الضمائر والمبادئ حول مرشح النظام، التفافهم هذا ليس لقناعتهم ببرنامجه،وأنى لهم هذا، ولا لزرقة عيونه، ولكنه لنهب المزيد من ثروات الشعب الجزائري والحصول على مزايا في دواليب السلطة.

فقد صادف الحملة الانتخابية ارتفاع جنوني في الخضر والمواد الغذائية الأساسية التي تمثل قوت المواطن البسيط حيث وصل سعر الكيلوغرام من البطاطا إلى 100 دج، والكل يعلم بأن الجزائر تمتاز بإنتاجها الوفير لهذه المادة الغذائية التي لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها، وكذلك سمك السردين الذي وصل إلى سعر 350 دج وهو طبق لا يمكن توفره أمام الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم البيضاء والحمراء.

النظام الجزائري مسؤول كل المسؤولية إلى ما وصلت إليه أوضاع الجزائر المزرية في الإنتاج الفلاحي كيف لا وهي التي كانت قبل عهد البترول وخلال المرحلة الاستعمارية الفرنسية "مطمورة أوربا" وقبلها بقرون في العهد الروماني كانت تسمى "مطمورة روما". كانت الجزائر فيما مضى تزود أوربا بأكملها من منتوجها الفلاحي فإذا بها اليوم لا تطعم 34 مليون جزائري.

في جزائر اليوم تقدر تكلفة استيراد المواد الغذائية والمواد الطبية بأكثر من 24 مليار دينار سنويا، دون أن ننسى التفشي الرهيب لأفظع الآفات الاجتماعية بين أوساط الشباب والأطفال كالمخدرات، والهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، هجرة الأدمغة الجزائرية إلى الخارج، إضافة إلى عدم قدرة الشباب على الزواج لعدم توفر السكن والعمل، مما أدى إلى ارتفاع في نسبة العنوسة إلى مستويات رهيبة.

تحديات العهدة الثالثة:

تكمن تحديات العهدة الثالثة في التغيير الحقيقي وحاجة القوى السياسة الفاعلة والمخلصة إلى قيام ما أسميه "ائتلاف الجزائريين من اجل التغيير" وغاية هذا الائتلاف تكمن حسب رأيي في:

  1. مكافحة الفساد والرشوة واحتكار النظام لوسائل الإعلام الثقيلة.
  2. الوقف الفوري لقانون الطوارئ ورفض الاعتقالات السياسية.
  3. إطلاق حرية الصحافة وتكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية والنقابات المستقلة.
  4. كفالة حرية الإضراب والاعتصام السلمي ورفع الحضر عن المسيرات في العاصمة.
  5. ضمان الاستقلال الكامل للقضاء والتداول السلمي على السلطة وتفعيل الرقابة الشعبية على أداء الحكومة بواسطة البرلمان.

هذا إذا أرادت القوى السياسية الفاعلة في الساحة الجزائرية المحافظة على ما تبقى من الديمقراطية والحرية والتعددية الحزبية ومقاومة الرجوع إلى ما كانت عليه البلاد قبل 1988.

هل هو ترويج للعلمانية ؟

صرح المترشح (المستقل) لرئاسيات 09 أفريل 2009، السيد عبد العزيز بوتفليقة، والرئيس السابق لعهدتين متتاليتين (1999 – 2004 ) (2004 – 2009 )، أن الجزائر لم تعد في حاجة إلى"الإسلام السياسي" و قال كذلك بأن "العلماني المتدين" أحسن من " المسلم السياسي" لأن الأول لا يسيس الدين والثاني يسيسه، و هو ما أعتبره الكثير من المتتبعين و المحللين ترويج صريح للعلمانية في بلد مسلم100% و مخالفة لنص المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن " الإسلام دين الدولة" أي أن المرجعية الأساسية في التشريع و سن القوانين هو الإسلام.

مرّ هذا التصريح دون أن تتحرك اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات الرئاسية التي من مهامها مراقبة احترام المترشحين لقوانين الجمهورية دون تمييز, و لا الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية ولا حتى جمعية العلماء المسلمين رغم أن الأمر جلل.

هل ستكون العهدة الثالثة تكريسا للعلمانية؟

لا يمكن لأي جزائري مسلم كيس فطن إلا أن يفهم من هذا التصريح أنه دعوة صريح للفصل بين الدين والدولة أو بين ما هو سياسي وما هو ديني، كما اعتبر من يطمح أن يكون رئيس الجزائريين للمرة الثالثة على التوالي، بأن "العلماني المتدين" أحسن من "المسلم السياسي"... لماذا؟ لأن الأول لا "يسيس الدين" والثاني "يسيس الدين".

و حتى يتضح الأمر أكثر فإن المترشح "المستقل" عبد العزيز بوتفليقة يريد من الجزائريين أن يعتنوا بالشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج وأن لا يتدخلوا في الشؤون السياسية و الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأنه يرى بان ذلك سيفسد عليهم دينهم وهي بصريح العبارة دعوة إلى علمنة الجزائريين.

هل يعقل أن نسمع مثل هذه التصريحات بعد مرور 47 سنة من استقلال الجزائر, أرض الإسلام والعروبة، الاستقلال الذي دفع من أجله الشعب الجزائري مليون و نصف المليون من الشهداء من أجل استرجاع سيادته و قيمه و ثوابته المثمتلة في أبعادها الثلاثة " الإسلام, العروبة والأمازيغية".

الجزائر التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس الأمازيغي و رائد النهضة " شعب الجزائر مسلم و إلى العروبة ينتسب"، ليأتي من يريد قيادة أبناء الشهداء و المجاهدين فيدعوهم أن يكونوا " علمانيين متدينين" , لو قالها شخص آخر لكان من الممكن أن نصمت و نعتبر التصريح مجرد هفوة لسان, أما و قد قالها من هو قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء كرسي الرئاسة لعهدة ثالثة, وقد تكون إلى أن يقضي الله أمر كان محتوم، فإنه من الواجب علينا كرعية أن نتقدم بالنصح لقيادتنا وولاة أمورنا و هذا ما أمرنا به إسلامنا، و أن نضع بعض النقاط على الحروف.

1 ) سيدي المترشح "المستقل" عبد العزيز بوتفليقة, لا يمكن للجزائر أن تستغني عن الإسلام الذي هو نظام شامل و منهاج حياة، ينظم شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما ينظم شعائرها التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج.

2 ) المسلم هو أفضل خلق الله في هذه المعمورة لأن غايته في هذه الحياة تتمثل في إرشاد الناس إلى الخير ودعوتهم إلى المعروف و نهيهم عن المنكر و قيادة الإنسانية إلى نور الله، مصداقا لقول الله تعالى :

( يأيها الذين آمنوا, اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون، و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى و نعم النصير) (الحج).

فهل يعقل بعد هذا التفضيل الرباني والتكريم الإلهي للمسلم أن نقول بأن "العلماني المتدين" أحسن من "المسلم السياسي" لأن الأول لا يقحم الدين في السياسة والثاني يحشر أنفه فيها.

لقاء الإخوان جلاء الأحزان

كانت زيارتي الأولى إلى القاهرة مليئة بالأحداث و أبرز هذه الأحداث زيارتي إلى الإخوان في مقرهم الموقر و الأنيق و اول ما شد أنتباهي أن بابه لا يغلق مدة تواجد الإخوان فيه و إن دل على شيء فإنه يدل على أن أبواب مكتب قيادة الإخوان مفتوحة كما هي مفتوحة قلوبهم، و أول ما يجلبك إلى داخله هو ذلك التهليل و الترحاب و ابتسمة أخي خالد التي تشعرك بصدق المحبة و دففء المكان.

و كم زاد حبي للإخوان هو حرصهم أن يكون أول من يستقبلني هو فضيلة المرشد العام السيد و الوالد المحترم مهدي عاكف رغم انه كان في لقاء مع أعضاء مكتب الإرشاد لقد خصني فضيلته بإستقبال حار و صدر رحب و حرص الأب على إبنه و الأخ الأكبر على أخيه الصغير و القائد على جنديه.

و كلما تحركت في ذللك المقر الصغير في مساحته الكبير برجالاته إلا و أمتدت إليا يد من أيادي قيادات مكتب الإرشاد لتسلم علي و تحتضني، بداية بالأمين العام للجماعة الدكتور محمود عزت و الداعية الفد أمين جمعة و الدكتور حبيب نائب المرشد العام إلى الداعية الكبير منعم ابو الفتوح مرورا بالدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للجماعة إلى المضياف الأخ القائم على تحضير المشروبات و القائم على مكتب فضيلة المرشد وليد شلبي الذي لا تغادر الإبتسامة و جهه البشوش إلى مصور الجماعة المحترف أخي الحبيب صلاح الطاير الذي يعرف متى و كيف يلتقط الصور ذات البعد التاريخي دون ان أنسى حرارة حضن الداعية الكبير محمود الخطيب و الذي درفت عيناه الكريمتان دمعتان لما قدمت له نفسي و ذكرته بزيارته إلى الجزائر في 1987 و بالضبط إلى منطقة المدانية بضواحي العاصمة أين كان يلقي بعض المحاضرات، و لا يمكنني أن انسى حفاوة الإستقبال من أخ عزيز علي ألا و هو بدر محمد بدر الصحفي و الإعلامي الإسلامي البارز و المحنك الذي لم أراه مند 20 سنة مند أخر زيارة له إلى الجزائر و كنا نلتقي في مقر دار الصديقية للنسر و التوزيع، و إلى أخي و حبيبي الأستاذ الكريم الحساني الذي خصني بعناية كبيرة و استضافة حميمية على مائدة مملوءة بالحب و الأخوة تحفها أطباق من السمك اللذيذ و المتنوع

و إنني لأحمد الله أن هيئة لي الظروف للقاء الإخوان و إنه حقا كما قال أستاذي الجليل الدكتور أمين جمعة " لقاء الإخوان جلاء الأحزان"


















العالم الجليل توفيق الشاوي في ذمة الله




بقلوب راضية بقضاء الله و قدره، يحتسب الإخوان المسلمون في الجزائر عند الله تعالى أخاهم العالِم الجليل الموسوعي الفقيه الدستورى القاضي المستشار الدكتور/ توفيق الشاوي؛ الذي لبَّى نداء ربِّه بعد حياة حافلة بالعطاء والجهاد في سبيل الله.

والراحل الكريم من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين ممن رافقوا الإمام الشهيد حسن البنا، وضرب- يرحمه الله- على مدار حياته أروعَ الأمثلة في حبه لدينه ودعوته وتضحيته لهما وثباته على الطريق حتى لقي الله على ذلك.
ولقد حباني الله عز و جل أن زرته في بيته مند أسبوعين خلال زيارتي الأخير إلى القاهرة و كانت زوجته المجاهدة الصابرة الوفية تناوله وجبة الغداء، و رغم أنه كان مقعدا على كرسيه المتحرك و ليس بإمكانه التحدث إلي إلا أنه طلب من حرمه ان تعرض علي المبيت في بيته طول مدة إقامة في القاهرة ، هكذا عرفناك أيها المجاهد العالم الجليل مضيافا و مكرما لضيوفك

إن عزاءنا فيك أيها المجاهد الداعية و العالم الجليل انك لقيت ربك ثابتا غير مبدل و لا مغير، متمسكا بحبله المتين، محتسبا كل ما لقيته لوجه الله الكريم

وإنني لأدعو الله أن يغفر له ويرحمه ويجزيَه خير الجزاء عما بذل وضحَّى في سبيل دينه ودعوته، وأن يُسكنه فسيح جناته، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وإننا إذْ نودِّع اليوم عالمَنا الجليل؛ لا يسعنا إلا أن نقول فيه ما يُرضي ربَّنا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.









24‏/2‏/2009

في ذكرى استشهاده الستين حسن البنا ومشروع نهضة الأمة


رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.. وبعد؛

يقول الله تعالى ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) ً(23) (الأحزاب)

في حياة الأمم والشعوب يظهر قادةٌ أفذاذ يصنعهم الله على عينه، ويؤلِّف مَن حولهم القلوب فيقومون بمهمة إحياء هذه الأمم، وقيادة نهضتها وإعلاء مكانتها

ولقد كان الإمام الشهيد حسن البنا شهيد فلسطين أحد هؤلاء الذين أوقفوا حياتهم منذ نعومة أظافرهم من أجل نهضة مصر والأمة العربية والإسلامية، ولقد بنى مشروعه للنهضة، والذي انطلق من مصر، ثم التَّف حوله الملايين في كل أنحاء العالم على أسس ثلاثة هي:

1) إن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شئون الناس في الحياة الدنيا، وما يترتب على ذلك من سعادة في الآخرة، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجيش، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بذلك كله ويعتبره من لُبِّ الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعًا، وإلى هنا تشير الآية الكريمة ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص) من الآية(77 )

2) إن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدًا، وإن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها.. لذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا غير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعًا.

3) إن الإسلام كدين عام انتظم شئون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان، جاء أسمى وأكمل من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون، ويرشد الناس إلى الطرق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها.. وقد عني الإسلام عنايةً تامةً بعلاج النفس الإنسانية، وهي مصدر النظم، ومادة التفكير والتصوير والتشكيل.. "رسالة المؤتمر الخامس"

على هذه الأسس الثلاثة بنى الإمام البنا بنيان مشروع النهضة عند الإخوان المسلمين، فكانت أهم خصائصه المرونة والبساطة والشمول والتكامل والربانية والواقعية، وهي من أهم خصائص الإسلام نفسه. لقد درس الإمام البنا تاريخ المسلمين ووقف على أهم عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية التي صمدت في وجه الأنواء حتى القرن السادس الهجري، عندما مزقتها جحافل التتار، ثم جاء الغزو الأجنبي في القرن الرابع عشر الهجري ليترك وراءه ما نراه اليوم من أمم مبعثرة ودويلات صغيرة تتوق إلى الوحدة وتتوثب للنهوض.

لقد كان تشخيص الداء مرحلةً مهمةً قبل وصف العلاج وهو ما رسمه البنا عليه رحمة الله فذكر أهم العوامل التي أدت إلى تحلل الدولة الإسلامية وفي مقدمتها ومن أهمها:

الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه . 1)

2) الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة، وإهمال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والجمود والتعصب للآراء والأقوال والولع بالجدل والمناظرات والمراء.

الانغماس في الترف والنعيم، والإقبال على المتعة والشهوات ) 3

4) انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراك معانيه.

إهمال المعارف الكونية والعلوم العلمية، وصرف الأوقات والجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.5)

6)غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة وأخذتهم على غِرَّة.

7) الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، مع النهي الشديد عن التشبه بهم والأمر الصريح بمخالفتهم، وضرورة المحافظة على مقومات الأمة الإسلامية

(رسالة بين الأمس واليوم)

ثم شرح الإمام الشهيد كيف يمد الإسلامُ الأمةَ الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر بما لا يدع مجالاً للشك أمام كل مسلم وعربي بل وكل إنسان بأن مزايا التوجه الإسلامي تحقق للأمة الكثير من الفوائد؛ لأنه قد جُرِّب من قبل وشهد التاريخ بصلاحيته، وله من القدسية والاستقرار في النفوس ما يسهل على الجميع تناوله وفقهه والاستجابة له والسير عليه، فضلاً عن الاعتزاز بالقومية والإشادة بالوطنية الخالصة؛ حيث نبني حياتنا على قواعدنا وأصولنا ولا نأخذ عن غيرنا، وهذا أرقى معاني الاستقلال الاجتماعي والحيوي بعد الاستقلال السياسي

وأنّ السير على هذا المنهج وتشييد النهضة على أصول الإسلام يأتيان تقويةً للوحدة العربية أولاً ثم للوحدة الإسلامية ثانيًا

وإن هذا المنهج تام شامل يضع نظم الحياة للأمم على أساسين مهمين: أخذ الصالح وتجنب الضار

وفي بيان ما تحتاجه الأمة الناهضة من أسس ودعائم وكيف يمدها به الإسلام قال الإمام الشهيد في رسالة "نحو النور" وهي خطاب للزعماء وقادمة الأمة:

1) الإسلام والأمل: تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح والقرآن يبين لنا أن اليأس سبيل إلى الكفر والقنوط من مظاهر الضلال ويقول الله لنا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ)(5) (القصص)، ويقول لنا: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران) من الآية 140

2) الإسلام والعزة القومية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية 143)، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8

والوطن في عُرف الإسلام يشمل

القطر الخاص أولاً

الأقطار الإسلامية الأخرى، كلها للمسلم وطن ودار

الإمبراطورية الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم

ثم يسمو حتى يشمل الدنيا جميعًا

وبذلك يكون الإسلام قد وفَّق بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة بما فيه الخير كل الخير للإنسانية جمعاء.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) (الحجرات)

3) الإسلام والقوة والجندية: حيث جعلها الإسلام فريضة محكمة من فرائضه، ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء

4) الإسلام والصحة العامة: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (البقرة: من الآية 247) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن لبدنك عليك حقًّا"

5) الإسلام والعلم: حيث يجعله فريضة من فرائضه كالقوة ويناصره، وكانت أول آية نزلت ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (1) (العلق)

6) الإسلام والخلق القويم الفاضل.. حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) (الشمس) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11

7) الإسلام والاقتصاد: والشئون الاقتصادية أهم الشئون في هذه العصور وقد أولاها الإسلام أكبر الاهتمام وأعظم التقدير، ووضع لها القاعدة العامة التي تكفل سلامة البنيان الاقتصادي، فحرَّم الربا والاحتكار وأحل البيع والشراء.

8) نظم الإسلام العامة: إن نظم الإسلام فيما يتعلق بالفرد أو الأسرة أو الأمة حكومته وشعبها أو صلة الأمم بعضها ببعض، جمعت بين الاستيعاب والدقة وإيثار المصلحة وإيضاحها، وأنها أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثًا أو قديمًا

هذا حكم يؤيده التاريخ ويثبته البحث الدقيق في كل مظاهر حياة الأمة، وردًّا على من يقول إن بناء نهضة مصر والعرب والمسلمين قد ينتقص من حقوق الأقليات غير المسلمة، أو يعكر صفو العلاقة مع الغرب وبقية الدنيا.

يقول الإمام: إن الإسلام وضع نصوصًا صريحةً واضحةً لحماية الأقليات وفي متنها ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8) (الممتحنة)

والإسلام قدَّسَ الوحدة الإنسانية العامة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (13) (الحجرات)

وقدَّسَ الوحدة الدينية العامة وقضى على التعصب في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (136) (البقرة)

ثم قدَّسَ الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (10) (الحجرات))

وحدّد بوضوح ودقة من يحق لنا كمسلمين أن نناوئهم ونقاطعهم في قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) (9) (الممتحنة)

أما الغرب والغربيون؛ فإن هذه الدول إن كانت تسيء بنا الظنون فهي لا ترضى عنا سواء اتبعنا الإسلام أم غيره، وهذا ما حدث خلال قرنين من الزمان فانهارت تجارب النهضة التي بناها مؤسسوها على غير قواعد الإسلام

إن أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب، ورجال الدين غير الدين نفسه، وإن بداية النهضة يجب أن تبدأ بإنشاء قواعدها على دعائم قوية من الخلق الفاضل والعلم الغزير والقوة السابغة وهو ما يأمر به الإسلام.

وعلينا أن نتخذ خطوات عملية في كافة المجالات مع البحث الدقيق والصبر على العلاج وتخطي العقبات، مع ما يحتاجه ذلك من طول الأناة وعظيم الحكمة وماضي العزيمة

ونعلم أنه إذا صدق العزم وضح السبيل، وأن الأمة القوية الإرادة إذا أخذت في سبيل الخير فهي لا بد واصلة إلى ما تريد إن شاء الله تعالى، فلنتوجه إلى النهضة والله معنا.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

28‏/1‏/2009

الحلقة الأولى من شهادة المرشد العام عن الإمام الشهيد حسن البنا


الحلقة الأولى من شهادة المرشد العام للإخوان، الدكتور محمد مهدي عاكف، عن الإمام الشهيد حسن البنا



الجزء الأول




الجزء الثاني



الجزء الثالث



الجزء الرابع



الجزء الخامس




27‏/1‏/2009

صمود غزة دروس وعبر


صمود المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة "حماس" في وجه العدوان الصهيوني الهمجي اللا أخلاقي، يوجب علينا استخلاص الدروس و العبر، من أجل تثمين الانتصار والإبقاء على روح التجنيد للوقوف في وجه المخطط الصهيو-أمريكي الساعي إلى تصفية القضية الفلسطينية من أي فعل مقاوم يعيد لأصحاب الحق الشرعيين أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي مند وعد "بلفور" سنة 1948.

فلسطين التي قال فيها الإمام عبد الحميد ابن باديس في سنة 1938 " كل مسلم مسِِؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل ما يرى هناك من أرواح تزهق، و صغار تيتم، و نساء ترمل و أموال تهتك و ديار تخرب و حرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة المكرمة"

ومن بعده الشيخ البشير الإبراهيمي يقول : " إن فلسطين وديعة محمد (صلى الله عليه و سلم) عندنا و أمانة عمر (رضي الله عنه) في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا فلئن أخدها اليهود منا و نحن عصبة إنا إذا لخاسرون".

الدرس الأول: إنتصار المقاومة عسكريا و سياسيا

- مقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر قد ولت و إلى الأبد، ها هو الجيش الإسرائيلي يتلقى مرة أخرى هزيمة نكراء و ينسحب من معركة غزة الصامدة على يد فصائل المقاومة بقيادة حركة "حماس"، دون تحقيق أهدافه المعلنة قبل الحرب، أو فرض شروطه السياسية على فصائل المقاومة، كما كان الشأن من قبل في جنوب لبنان ثم في حرب حزيران 2006 على يد المقاومة اللبنانية.

- استطاعت فصائل المقاومة الفلسطينية الصمود في وجه الجيش المصنف في المرتبة الرابعة عالميا و المؤيد بقرار سياسي من المجتمع الدولي و بتواطؤ بعض الأنظمة العربية والإسلامية، رغم الدمار و الخراب الذي سببه القصف العشوائي بالطائرات و الدبابات و الزوارق البحرية إلا أنه في المعركة البرية وهي الفيصل في كل معركة عسكرية لم يتمكن الجيش الإسرائيلي أن يقتحم أي مدينة من مدن غزة، مخافة أن تكبده فصائل المقاومة خسائر تكون عواقبها وخيمة على مستقبل الكيان الصهيوني.

نعم استطاعت فصائل المقاومة بقيادة "حماس" أن تجبر الكيان الصهيوني الإعلان على وقف إطلاق النار من جانب واحد دون أن يتمكن من فرض شروطه السياسية و دون تحقيق الأهداف العسكرية التي أعلن عنها قبل بداية الحرب على غزة، وهي:

- وقف إطلاق صواريخ المقاومة.

- القضاء على حركة "حماس" و جناحها العسكري "كتائب عز الدين القسّام".

- القضاء على البنية التحتية لحركة "حماس".

- العودة بالجندي الأسير" جلعاد شاليط".

إلا أن أيا من هذه الأهداف لم تتحقق، و أكثر من ذلك حدث الفعل العكسي حيث خرجت فصائل المقاومة بقيادة "حماس" أكثر صلابة و قوة و انسجاما مما كانت عليه قبل بداية الحرب على غزة، و استطاعت أن تجند الشارع العربي و الإسلامي و الغربي لصالح قضيتها العادلة، وتزايد طيلة الحرب عدد المقاومين في العالم، وأعادت المقاومة القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر، بعدما كان يظن الرأي العام العالمي أن مسار التسوية خيار لا رجعة فيه.

الدرس الثاني: المقاومة تكسب الرأي العام العالمي

- خسر الكيان الصهيوني الرأي العام العالمي بسبب الجرائم التي ارتكبها في حق المدنيين العزل و تدميره للمساجد و الكنائس و المستشفيات و مراكز الأنروا وكل ما كان يتحرك على أرض غزة.

- اكتشف العالم الوجه الحقيقي لإسرائيل بأنها لا تريد سلاما وأكدت الأحداث بأن إسرائيل ليست دولة عادية بل هي كيان إرهابي عنصري، يتصرف كيف يشاء ضاربا عرض الحائط كل قرارات مجلس الأمن وكل المعاهدات والاتفاقيات الدولية و كأن هذا الكيان إمبراطورية يحكم العالم. مما أدى ببعض البلدان التي كانت لها علاقات ديبلومسية بالكيان الصهيوني إلى قطعها مثل "فنزويلا " و "بوليفيا" أو إلى تجميدها كـ"قطر" و"موريتانيا" و البعض الآخر في طريقه إلى الانسحاب من كل الهيئات التي يتواجد فيها الكيان الصهيوني، و تعتبر هذه ضربة قاسية للكيان الصهيوني الذي عمل طيلة احتلاله لفلسطين على تطبيع علاقته مع الدول العربية و الإسلامية، خاصة منذ انطلاق مسار التسوية و المفاوضات كخيار لحل النزاع ، بداية باتفاقيات "كامب دفيد" مع مصر مرورا باتفاقيات "وادي عربة" مع الأردن و اتفاقيات "أوسلو" مع السلطة الفلسطينية إلى غاية " المبادرة العربية للسلام" في لبنان.

كل هذا المسار أصبح في مهب الريح خصوصا بعد العدوان الصهيوني البربري على غزة المقاومة، التي كشفت مرة آخرة بأن هذا الكيان لا يفهم إلا لغة القوة والسلاح والصمود من أجل استرجاع الأراضي المغتصبة.

إن الشعب الفلسطيني ومن ورائه الجماهير العربية و الإسلامية مصممة على نهج المقاومة و إتباع النضال المشروع من خلال الكفاح المسلح لتحرير أراضيه واسترجاع حقوقه المسلوبة، الحرب على غزة سلبت كل الأوراق من أيادي الأنظمة العربية و الإسلامية التي كانت تتوهم بأنه من الممكن أن تسترجع أرض فلسطين التي أخذت بالقوة عن طريق المفاوضات و مسار التسوية و كما يقول المثل " ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة" " و ما ضاع حق ورائه طالب"

و هذا شأن كل الشعوب التي استعمرت " كالجزائر" التي قدمت التضحيات الجسام في سبيل استعادة الاستقلال، أكثر من " مليون و نصف مليون من الشهداء"، و"الفيتنام" و"جنوب إفريقيا".

استطاع معسكر المقاومة بقيادة "حماس" أن يصمد في معركة غير متكافئة من حيث السلاح و موازين القوى التي كانت جلها تصب لمصلحة الكيان الصهيوني، و أثبتت فصائل المقاومة مرة أخرى بأن المستضعف لا يملك السلاح لكنه بالمقابل يملك الإرادة و العزيمة من أجل تحقيق النصر، و عدم الرضوخ و الاستسلام لشروط المحتل.

من جهة أخرى الأنظمة العربية التي راهنت على خيار السلام مع "إسرائيل" لم يعد لديها ما تقدمه للأمة، لأنها لا تريد الحرب و هي عاجزة أيضا عن تحقيق مشروع السلام.

المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة أفرزتها الحرب على غزة، و هي بروز فريقين لا ثالث لهما، الأول مقاوم وهي الدول التي شاركت في مؤتمر الدوحة، رغم أنها أتت متأخرة إلا أنها استطاعت أن تنقد الموقف بالنسبة للأنظمة العربية و الإسلامية الرسمية و تحفظ ماء الوجه، كما كانت لهذه القمة الشجاعة لدعوة فصائل المقاومة وإعطائها الفرصة ولأول مرة أن تسمع صوتها في محفل رسمي، كما إن بيانها الختامي تبنى مواقف و شروط المقاومة.

والفريق الثاني مستسلم لشروط الكيان الصهيوني و شروط الرباعية و هي الدول التي تواطأت بطريقة مباشرة مع الكيان الصهيوني في حربه على غزة و كانت مند و أثناء و حتى بعد الحرب تعمل على القضاء على المقاومة و في مقدمتها حركة "حماس" و يتزعم هذا الفريق " السلطة الفلسطينية" بقيادة "محمود عباس" و "النظام المصري" بقيادة "حسني مبارك"و" النظام الأردني" بقيادة " الملك عبد الله" و " النظام السعودي" بقيادة "الملك عبد الله" خادم الحرمين الشريفين.

الدرس الثالث: المصالحة الفلسطينية على أساس المقاومة لا التسوية و المفاوضات

درس غزة أكسب فصائل المقاومة بقيادة حركة "حماس" شرعية النضال في أرض المعركة، بعد أن كانت حركة "حماس" قد كسبت الشرعية الشعبية في انتخابات تشريعية اعترف العدو قبل الصديق بنزهتها.

و بهذا أصبحت حركة "حماس" رقما أساسيا لا يمكن إقصائه أو تجاوزه في حل القضية الفلسطينية، كما أظهرت فصائل المقاومة انسجاما عسكريا و سياسيا وإعلاميا منقطع النظير و هذا طيلة مدة الحرب على غزة، ووقفت فصائل المقاومة صفا واحدا في وجه العدوان الصهيوني، معلنة ً بذلك إجماعا فلسطينيا على خيار المقاومة.

بالمقابل فإن السلطة الفلسطينية بقيادة " محمود عباس" المنتهية عهدته في 09 يناير 2009، أبدت موقفا معاديا من المقاومة في غزة محملة إياها مسؤولية الحرب على غزة، ورأى الجميع ذلك التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة في رام الله وأجهزة الكيان الصهيوني التي راح ضحيتها المجاهد الكبير وزير الداخلية "سعيد صيـّام" رحمه الله، كما منعت أجهزة السلطة الأمنية أي مظاهرات تضامنية مع قطاع غزة، والكل شاهد مناشدة المنظمات الحقوقية التي طالبت من الرئيس "محمود عباس"، كونه المخول قانونيا، برفع دعوة قضائية ضد الكيان الصهيوني لارتكابه جرائم حرب إلا أن هذا الأخير لم يفعل، و الكل كان شاهدا على غياب رئيس السلطة من مؤتمر الدوحة الذي حضرته كل فصائل المقاومة و كأن الأمر لا يعنيه و لا يعني الشعب الفلسطيني، و كان تصريح وزير خارجية قطر عن أسباب غياب رئيس السلطة " محمود عباس"إثر مكالمة هاتفية ليلة انعقاد القمة معتذرا عن عدم الحضور بسبب" ضغوط مورست عليه" و لو شارك في هذا المؤتمر" يكون قد ذبح من الوريد إلى الوريد"

درس غزة أفرز في الصف الفلسطيني فريقين: فريق أجمع على أنه لا خيار لحل القضية الفلسطينية إلا خيار المقاومة و يشمل جميع فصائل المقاومة بقيادة حركة" حماس" و هو خيار الشعب الفلسطيني وكل الجماهير العربية والإسلامية التي خرجت في مسيرات مليونية من محور "طنجة بالمغرب" إلى "جاكرتا بإندونيسيا".

يقابل هذا الإجماع خروج فيصل فلسطيني عن هذا الإجماع ممثلا في السلطة الفلسطينية في" رام الله" بقيادة "محمود عباس"، التي تخندقت في معسكر الاستسلام و مسار التسوية و المفاوضات منذ اتفاق "أوسلو" سنة 1993 وحتى يومنا هذا لم يقدم أي انجاز، على العكس تسير القضية الفلسطينية من سيء إلى أسوأ.

انطلاقا من هذا فإن الساحة الفلسطينية لا تعرف انقسام كما يروج له البعض، بل خروج فيصل فلسطيني ممثلا في سلطة "رام الله " بقيادة " محمود عباس" على إجماع وطني عربي و إسلامي على خيار المقاومة.

إن الوحدة الوطنية الفلسطينية بعد درس غزة لابد أن تكون على أساس المقاومة و الثوابت الوطنية الفلسطينية، و حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وحق العودة المهجرين وأن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، و رفض أي قوات دولية على حدود قطاع غزة، أو أي اتفاق أمني يتم بموجبه حظر السلاح على المقاومة الفلسطينية، لا على أساس التسوية و المفاوضات و مزيد من التنازلات لصالح المغتصب الصهيوني.

إن المقاومة الفلسطينية اليوم تدرك تمام الإدراك بأنها أصبحت أمل الأمة الإسلامية والعربية ورأس حربتها في مواجهة الاحتلال الصهيوني الجاثم على صدر الأمة منذ وعد" بلفور" المشئوم، و أكبر دليل على ذلك، تلك المسيرات المليونية التي خرجت إلى الشارع منذ بداية الحرب على غزة رغم القمع الذي وجهت به من طرف بعض الأنظمة العربية والإسلامية.

وبعد أن تم إنجاز المقاومة لشرطي وقف العدوان و سحب قوات الاحتلال من قطاع غزة، علينا أن ندرك جميعا بأن المهم لم يتم انجازه والمتمثل في رفع الحصار وفتح المعابر التي تريد بعض الأطراف العربية و الدولية أن تلهنا عنهما بقضايا إعمار قطاع غزة و بعض المعونات الإنسانية ومحاولة بعض المرجفين من أفراد السلطة الفلسطينية التشكيك في انجازات المقاومة و محاولة ركوب الموجة و سرقة الانتصار، و لذلك من واجب الشارع العربي و الإسلامي أن يبقى في مستوى ذلك التجنيد الذي ظهر به طيلة فترة العدوان، إلى غاية رفع الحصار و فتح المعابر، عندئذ يمكننا أن نقول بأننا أتممنا الانتصار، أما والحصار قائم والمعابر لم تفتح فالحرب لازلت قائمة على أهلنا في غزة.