ونحن على بعد 24 ساعة من انطلاق عملية الاقتراع لانتخاب رئيس الجزائريين لفترة 5 سنوات (2009 – 2014) والتي لن تحمل أي مفاجئة فهي محسومة النتائج مسبقا، لصالح مرشح النظام والرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، منذ أن تم الانقلاب على دستور 1996 الذي حدد العهدات الرئاسية بعهدتين، لتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سنة 1988 ويتبخر معها أعظم مكسب من مكاسب الديمقراطية ألا وهو التداول على منصب رئيس الجمهورية ووضع حد لخلود الحاكم في أعلى منصب في الدولة الجزائرية هذا المكسب الديمقراطي الذي حسدتنا عليه الكثير من الدول العربية والإسلامية وتباهينا به أمام الدول العتيقة والعريقة في الممارسة الديمقراطية وذهب ضحيته أكثر من 100 ألف جزائري وجزائرية.
لكن ورغم كل هذا يبقى الهاجس الكبير الذي يؤرق النظام الجزائري الشائخ هو ضعف نسبة المشاركة والتي تدل كل المؤشرات على أنها ستكون ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالانتخابات الرئاسية السابقة.
الجزائر تتجه بخطى سريعة إلى ما قبل 1988
تميزت الحملة الانتخابية التي دامت 19 يوما بخطاب مستنسخ من حملة 2004، حيث غلب عليها الهاجس الأمني وتدني ظروف معيشة المواطن، بينما غاب عن اهتمامات أغلب المترشحين مصير الحريات والديمقراطية والتداول على السلطة، وحرية الصحافة وحرية تأسيس الأحزاب وإنشاء النقابات المستقلة واستقلالية القضاء وفتح الاستثمار في المجل السمعي البصري وإنشاء القنوات الفضائية الخاصة، وفتح وسائل الإعلام العمومية الثقيلة وعلى رأسها التلفزيون أمام كل القوى السياسية وعدم إبقائها حكرا على ممثل النظام ومن سار في فلكه.
أكثر ما يشد الانتباه في الحملة الانتخابية التي أسدل ستارها أمس، الفارق الكبير في إمكانيات المترشحين حيث استحوذ مرشح النظام السيد عبد العزيز بوتفليقة على وسائل الدولة الجزائرية ووظف أموال الخزينة العمومية لتحفيز الجزائريين على المشاركة في الانتخابات، فراح يغدق الأموال على الفلاحين بمسح ديونهم التي قدرت بـ 41 مليار دينار، وتم تسديد أجور العمال التي ظلت محجوزة لأزيد من سنتين ورفع منحة الطلبة من 2700 دج إلى 4000 دج كل ثلاثة أشهر وهو ما يعادل حوالي 40 أورو لتصبح منحة الطالب شهريا 1300 دج ما يعادل 13 أورو، وماذا عساها أن تفي هذه المنحة من حاجات الطلبة الذين يقع على عاتقهم مستقبل الأمة، وكما تم أيضا تخفيض تذاكر السفر بالنسبة للمغتربين الجزائيين بنسب متفاوتة تصل إلى 50 بالمائة، دون أن ننسى التكاليف الباهظة للحملة الانتخابية التي قدرت بملايير الدينارات.
هذا الفارق في الإمكانيات ترك انطباعا بأن السيد عبد العزيز بوتفليقة سيتنافس مع ظله يوم 09 أفريل 2009.
لقد عمد الرئيس القديم ومرشح النظام للعهدة الثالثة، والأحزاب والجمعيات والأشخاص الموالون له إلى الترويج لجملة واحدة للتعبير على نجاح المصالحة وعلى إظهاره بأنه الفارس المنقذ للجزائر وكأن الجزائر لم تكن دولة قبل مجيء عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999 بقولهم "قبل عام 1999 كان المواطن يدخل بيته بدءا من الساعة الخامسة مساء" يعني وبحسب هذا المفهوم أن الجزائريين كانوا لا يؤمنون على حياتهم قبل أن يتولى بوتفليقة شؤونهم ومحاولة تبييض وجه النظام الذي له المسؤولية الكاملة في ما آل إليه الوضع في الجزائر منذ الاستقلال بسبب قمع الحريات وتكميم الأفواه وشراء الضمائر وتزوير إرادة الشعب في اختيار ممثليه بكل حرية.
وللشهادة أقول وحتى لا نبخس الرجال حقهم فإن أول من سعى إلى المصالحة بين أطراف النزاع في الأزمة الجزائرية، ومباشرة بعد وقوع الانقلاب على الإرادة الشعبية في انتخابات 1991، هو الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله وكان شعارها "الجزائر حررها جميع المخلصين ويبنيها جميع المخلصين" ورفض الإقصاء والتهميش وتزوير الإرادة الشعبية الحرة ونادى إلى التداول السلمي على السلطة أو البقاء فيها، بينما كان في ذلك الوقت من ينادي بالمصالحة يتهم من جهة من طرف العلمانيين بالخيانة والتعاون مع الإرهاب، ومن جهة أخرى يهدد من طرف الجماعات المسلحة بالموت وترسل إليه مستلزمات الغسل والتكفين. فأين كان بوتفليقة من كل هذا؟؟... كان في غربته الخليجية التي دامت 20 سنة.
من الظواهر التي تنفر الجزائريين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع هو التفاف الانتهازيين والمتملقين والإنبطاحيين وعديمي الضمائر والمبادئ حول مرشح النظام، التفافهم هذا ليس لقناعتهم ببرنامجه،وأنى لهم هذا، ولا لزرقة عيونه، ولكنه لنهب المزيد من ثروات الشعب الجزائري والحصول على مزايا في دواليب السلطة.
فقد صادف الحملة الانتخابية ارتفاع جنوني في الخضر والمواد الغذائية الأساسية التي تمثل قوت المواطن البسيط حيث وصل سعر الكيلوغرام من البطاطا إلى 100 دج، والكل يعلم بأن الجزائر تمتاز بإنتاجها الوفير لهذه المادة الغذائية التي لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها، وكذلك سمك السردين الذي وصل إلى سعر 350 دج وهو طبق لا يمكن توفره أمام الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم البيضاء والحمراء.
النظام الجزائري مسؤول كل المسؤولية إلى ما وصلت إليه أوضاع الجزائر المزرية في الإنتاج الفلاحي كيف لا وهي التي كانت قبل عهد البترول وخلال المرحلة الاستعمارية الفرنسية "مطمورة أوربا" وقبلها بقرون في العهد الروماني كانت تسمى "مطمورة روما". كانت الجزائر فيما مضى تزود أوربا بأكملها من منتوجها الفلاحي فإذا بها اليوم لا تطعم 34 مليون جزائري.
في جزائر اليوم تقدر تكلفة استيراد المواد الغذائية والمواد الطبية بأكثر من 24 مليار دينار سنويا، دون أن ننسى التفشي الرهيب لأفظع الآفات الاجتماعية بين أوساط الشباب والأطفال كالمخدرات، والهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، هجرة الأدمغة الجزائرية إلى الخارج، إضافة إلى عدم قدرة الشباب على الزواج لعدم توفر السكن والعمل، مما أدى إلى ارتفاع في نسبة العنوسة إلى مستويات رهيبة.
تحديات العهدة الثالثة:
تكمن تحديات العهدة الثالثة في التغيير الحقيقي وحاجة القوى السياسة الفاعلة والمخلصة إلى قيام ما أسميه "ائتلاف الجزائريين من اجل التغيير" وغاية هذا الائتلاف تكمن حسب رأيي في:
- مكافحة الفساد والرشوة واحتكار النظام لوسائل الإعلام الثقيلة.
- الوقف الفوري لقانون الطوارئ ورفض الاعتقالات السياسية.
- إطلاق حرية الصحافة وتكوين الأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية والنقابات المستقلة.
- كفالة حرية الإضراب والاعتصام السلمي ورفع الحضر عن المسيرات في العاصمة.
- ضمان الاستقلال الكامل للقضاء والتداول السلمي على السلطة وتفعيل الرقابة الشعبية على أداء الحكومة بواسطة البرلمان.
هذا إذا أرادت القوى السياسية الفاعلة في الساحة الجزائرية المحافظة على ما تبقى من الديمقراطية والحرية والتعددية الحزبية ومقاومة الرجوع إلى ما كانت عليه البلاد قبل 1988.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق