
28/12/2008
14/11/2008
النظام الجزائري يدق آخر مسمار في نعش الديمقراطية
يعتبر الكثير من متتبعي الساحة السياسية في الجزائر بان التعديلات الدستورية التي أقبل عليها النظام الجزائري تراجعاً على المكتسبات الديمقراطية و دق آخر مسمار في نعش الديمقراطية. التي راح ضحيتها خيرة رجال و نساء الجزائر منذ الانفتاح الديمقراطي سنة 1988، من أهم هذه المكتسبات تحديد العهدات الرئاسية بعهدتين لا ثالثة لهما الشيء الذي يسمح بالتداول على السلطة سلميا و ديمقراطياً ويمنع الخلود والدوام فيها كما كان معمول به منذ الاستقلال ، حيث كان من غير الممكن تنحية الرئيس إلا إذا توفي أو عن طريق الانقلاب العسكري. و هذا ما وقع في عهد الرئيس الجزائري الأول السيد احمد بن بله(1965) و ما وقع في عهد الرئيس هواري بومدين وفاته(1978) و في عهد الشاذلي
بن جديد إقالته سنة(1991).
التعديلات الدستورية المقترحة استهدفت بالأساس هذه المادة حيث استرجع النظام باليد اليسرى ما أعطاه باليد اليمنى في دستور 1996، الذي طرحه الرئيس اليمين زروال للاستفتاء، و كان فعلا مكسب من المكاسب الديمقراطية التي تحصل عليها الشعب الجزائري ثمنا لتضحياته منذ استرجاع السيادة الوطنية التي اعتبرت منقوصة مادام الحق في اختيار من يقوده لم يكون بيده بل بيد عُصب داخل النظام كانت ترى بان الشعب قاصر وغير ناضج في اختيار حكامه فكانت هذه العُصب هي الوصية عليه.
يبدو أن العُصب داخل النظام استغلت نكسة اغلب الأحزاب السياسية و الفعاليات الوطنية التي عوض إن تدافع عن المكاسب الديمقراطية و الحريات الفردية التي فوضها ممثلها للدفاع عنها راحت تقايض المبادئ التي أنشأت من اجلها مقابل بعض المناصب الوزارية والمكافئات المالية، فتحولت جل هذه الأحزاب إما إلى بوق لا هم لها إلا مدح رئيس الجمهورية و الدفاع عن برنامجه حتى ولو كانت منجزات هذا البرنامج سلبية أو إلى أحزاب لا هم لها إلا الطعن و القدح والشتم حتى ولو كانت هنالك مكتسبات ايجابية، وغاب الصوت الوسطي المعتدل الذي يقول للمحسن أحسنت للمسيء أسأت (رحمة الله على الشيخ محفوظ نحناح) الذي كان يمثل هذا النهج أحسن تمثيل، بينما لم يتمكن خليفته السيد أبو جرة السلطاني الثبات عليه وادخل حركة حمس في انشقاقات ونزاعات داخلية أبعدتها عن الرسالة التي انشأت من اجلها وأصبحت هذه الحركة التي علق عليها الشعب الجزائري آمالاً كبيرة كبقية الأحزاب لا هم لها إلا الحصول على المزايا الشخصية و المكتسبات المادية على حساب رسالتها ومبادئها.
يتساءل جل متتبعي الساحة السياسية الجزائرية لماذا لم يطرح النظام هذه التعديلات للاستفتاء الشعبي وأحالها على غرفتي البرلمان رغم أن كل التصريحات والخرجات الإعلامية لرئيس الجمهورية أو رؤساء الحكومات كانت تؤكد بان التعديلات الدستورية ستطرح للاستفتاء الشعبي، ليفاجأ رئيس الجمهورية الرأي العام وحتى أقرب المقربين إليه في خطابه الأخير خلال افتتاح السنة القضائية بان التعديلات لن تطرح للاستفتاء الشعبي بل على غرفتي البرلمان ويرجع الكثير من المحللين هذا التراجع إلى تخوف النظام من عزوف الشعب عن صناديق الاقتراع كما كان الشأن في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في أقصى حدودها 30%.
التساؤل المطروح كيف لبرلمان غير معبر عن الإرادة الشعبية - يمثل تقريبا 4 ملايين من تعداد18 مليون تعداد الهيئة الانتخابية -أن يعدل مواد دستورية وخاصة المادة التي تحدد العهدات الرئيسية التي ثبتها الشعب عن طريق الاستفتاء سنة 1996؟
التساؤل المطروح كذلك لماذا انتظر النظام إلى غاية 6 أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية ليطرح هذه التعديلات بينما كان من الممكن طرحها على الساحة السياسية في وقت مبكر يسمح للفعاليات السياسية وللرأي العام الاطلاع عليها ومناقشتها ومعرفة الرأي المؤيد والرأي المخالف، وبعث ديناميكية سياسية، وفتح وسائل الإعلام الثقيلة للآراء المختلفة عكس مايحدث الآن، حيث لا يسمح للآراء المخالفة بالظهور في وسائل الإعلام الثقيلة، أليس هذا دليل آخر على تراجع الديمقراطية،بينما يسمح النظام الجزائري الظهور على وسائل الإعلام العمومية للمداحين والانتهازيين الذين يأكلون مع كل رئيس ويرقصون مع كل عريس.
ثم ماذا وراء هذه التعديلات الدستورية لاسيما التعديلات الخاصة بفتح العهدة الرئاسية إلى مدى الحياة وتعين وزير أول بدل رئيس الحكومة؟.
يريد النظام من خلال فتح العهدات الرئاسية إلى مدى الحياة تثبيت ديمقراطية الواجهة وذلك بإعطاء صلاحيات واسعة إذا لم نقل كل الصلاحيات لرئيس الجمهورية دون أن يخضع للمسائلة أو المحاسبة أمام المؤسسة التشريعية والمؤسسات الرقابية الأخرى، و كأن رئيس الجمهورية معصوم غير معرض للخطأ، حتى و إن أخطأ فليس هو الذي يدفع ثمن أخطائه بل الوزير الأول الذي يعينه رئيس الجمهورية ( أليس الجزاء من جنس العمل)، قد يتسأل البعض و يقول كيف هذا؟
وإليكم هذا المشهد لتتضح لديكم الصورة، رئيس الجمهورية هو صاحب البرنامج المقترح للتنفيذ، لكن ليس مسؤول أمام البرلمان، بل المسئول أمام البرلمان هو الوزير الأول المعين من طرف رئيس الجمهورية ليقوم بتنفيذ برنامجه وفي حالة عدم مرور البرنامج أمام البرلمان فمن الذي يسقط الرئيس أم الوزير الأول؟
الذي يعرف الإجابة له جائزة = مقعد في البرلمان=( 300.000 دج) ومزايا أخرى سيتم الكشف عنها في الحلقة القادمة.
2/9/2008
فكرة إرسال قوات عربية إلى قطاع غزة و المهمة القدرة
في أخر خراجاته طلع علينا وزير الخارجية المصري قائلا " إنه يجب التفكير بجدية في فكرة إرسال قوات عربية إلى قطاع غزة، لأن ذلك يمكن أن يساعد على منع الاقتتال الفلسطيني، و وقف الصدام الإسرائيلي الفلسطيني "
وأضاف أبوالغيط أنها "فكرة جذابة تستحق أن تؤخذ بالجدية الواجبة" وأن مصر والجامعة العربية "يمكن أن تقوما بدور في" هذا الشأن"
مثل هذه التصريحات قد يكون لها تأثير سلبي على مصير الحوار الذي تجريه الفصائل الفلسطينية في العاصمة المصرية حاليا، و أعتبر الكثير من المتتبعين بأن هذه التصريحات هي عبارة على بالون اختبار و محاولة مصرية للضغط على الفصائل الفلسطينية التي تتحاور في القاهرة.
هذه التصريحات عبارة على رسالة مفادها أنه في حال لم تتفقوا على تصفية الخلافات سيتم إرسال قوات عربية لفرض واقع جديد، وهي رسالة سلبية ستضر بالمفاوضات و لن تفيدها، إن الوضع في غزة ليس بحجة إلى إرسال قوات و إنما هو في حاجة إلى حوار كالذي يجري في القاهرة، و لو بدلت مصر جهودا حقيقية و محايدة بعيدا على الضغوطات الأمريكية و الإسرائيلية، فإن الفصائل الفلسطينية لها الرغبة في إنهاء الانقسام، و ستنعم غزة بالتواصل الجغرافي مع الضفة.
و لا نعتقد أن يغامر أي بلد عربي بإرسال قوات إلى غزة, لأن الفلسطينيين سيفهمون الرسالة بشكل سلبي، و أهل غزة سيعتبرون القوات الجديدة شرطيا لإسرائيل و منقدا لها من المقاومة.
القوات يجب أن ترسل لتحرير الأراضي فقط، فلا يجوز للعرب الذين تقاعسوا عن إرسال قوات لتحرير الأراضي المحتلة، و يصمتون الآن عن انتهاكات الاحتلال من اغتيالات و اعتقالات و استباحة للأعراض في غزة، أن يفكروا في تكريس الانقسام بين غزة و الضفة.
مقترح إرسال القوات العربية إلى غزة، تمت بلورته في اللقاء الذي جمع مؤخرا كلا من الرئيس المصري و العاهل السعودي بالإسكندرية، و يطلق على هدان البلدان " بالمحور الموالي لأمريكا" .
و يعيش حاليا هذا المحور مأزقا كبيرا بعدما تسابقوا إلى مؤتمر انابوليس مستبشرين بإمكانية و جود حلول أمريكية للقضية الفلسطينية ، لكن بوش و أولمرت يستعدان للرحيل الآن و لم يتغير شيء أو يصلوا إلى تفاهمات أولية.
قدم العرب و الغرب مساعدات بالمال و العتاد و السلاح، لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) و لفترة طويلة، لكنهم تفاجئوا بهزيمة (فتح) في القطاع و قدرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على إدارة غزة بشكل أكثر أمنا و استقرارا، و لا أعتقد أنهم يريدون إرسال قوات تكمل الدور الفتحاوي في القطاع .
هناك إصرارا من الأمريكيين و الإسرائيليين على إذلال و تركيع الفلسطينيين و لا يجب على العرب المساعدة في تنفيذ هذه المخططات، بل عليهم أن يدركوا (العرب) أنه لا أفق للمفاوضات بدون قوة على الأرض، و هو ما يوجب عليهم دعم المقاومة لا تقويضها .
1/9/2008
بشائر الصلح بين أبناء حركة "حمس"
و نحن على أبواب الشهر الكريم، أصدرت "لجنة الصلح" المتكونة من مجموعة من قيادات الحركة، يترأسهم الأستاذ الفاضل عبد الحميد مداود، بينا صحفيا قي جريدتي " الخبر" و " الشروق" تبشر فيه أبناء الحركة بقرب انفراج المحنة داخل بيت الحركة، و باستعداد جميع الأطراف للحوار و المصالحة و جمع الكلمة، وإليكم نص البيان الصحفي
بسم الله الرحمن الرحيم
حركة مجتمع السلم " لجنة الصلح"
قال الله تعالى : و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ..."
و قال الله عز و جل : " فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم"
استجابة لنداء الله و الضمير و أبناء الحركة و مصلحة الوطن و الدعوة، قامت مجموعة من قيادات الحركة بمسعى الصلح بين أبناء الحركة، و الذي هو امتداد للمساعي المبذولة أثناء المؤتمر و بعده، حيث شرعت هذه المجموعة في العمل مع جميع الأطراف في هدوء من أجل:
1 - تجاوز بعض المخالفات السلبية للمؤتمر الرابع
2 - المحافظة على وحدة الحركة و انسجامها و تماسك صفوفها و استمرارية رسالتها
3 - إقامة جدار حركي ضد أي محاولة للتقسيم و التأزيم و التقزيم و الإقصاء
و إذ تحرص لجنة الصلح على لم الشمل و سحب فتائل الفتنة و القضاء على بوادر الفرقة في صفنا و في حركتنا، فإنها تسعى أيضا إلى إيجاد الحلول لأي اختلاف بتعاون الجميع " و تعاونوا على البر و التقوى" في جو من الأخوة و المحبة في الله و المرونة و التنازل، و في إطار المؤسسات بعيدا على الإقصاء و الوصاية و وفق منهج الحركة و ثوابتها التربوية
و إن لجنة الصلح تزف بشرى لأبناء الحركة في استعداد الجميع للحوار و المصالحة و جمع الكلمة، و إن ما توصلت إليه لجنة الصلح إلى حد الآن يبشر بالخير، من خلال شعور الجميع بالمسؤولية في ظل وحدة الحركة و الانصراف إلى العمل و الحفاظ على المكتسبات و مواجهة التحديات، التي تواجه الحركة و الجزائر و الأمة الإسلامية جمعاء
و إذ تنهي الشعب الجزائري و الأمة الإسلامية بشهر رمضان المبارك، فإننا ندعو جميع أبناء الحركة إلى اغتنام نفحات هذا الشهر بالتضرع و الإلحاح في الدعاء على الله بأن يجمع شملنا و يوحد صفوفنا و يطفئ نار الفتنة و أن يحقن دماء الجزائريين و المسلمين.
دامت الحركة واحدة موحدة
و دامت الجزائر أصيلة آمنة مستقرة مستمرة
" ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين"
ع/مجموعة الصلح
3/8/2008
الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين (8/1)
الفصل التمهيدي:
مند ظهر الإسلام و دخلت الأمة في دين الله أفواجا، و اعتنقت الإسلام عقيدة و شريعة، و أمنت برسولها و سارت على سنته و منهجه، صبغ الإسلام حياة الشعوب المؤمنة، بصبغته و وجه كافة أوجه نشاطها بتعاليمه، و بات المصدران الأساسيان لدين الإسلام، و هما القرآن و السنة المطهرة التي هي التفسير النظري و التطبيقي العملي للقرآن الكريم، المرجع الوحيد لكل ما يتعلق بتنظيم حياة الفرد المسلم و العائلة المسلمة و المجتمع المسلم و الدولة المسلمة، و لجميع الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية و التعليمية و التربوية و أيضا النظام التشريعي و القضائي، و كانت العقيدة و الشريعة يهيمنان على كل من الحاكم و المحكوم وعلى الفرد و المجتمع، و كانت لهما السيادة العليا، فلا يملك حاكم و لا محكوم أن يغير مما احتوتاه شيئا.
و باعتبار أن الشريعة الإسلامية جاءت من عند الله تبارك و تعالى، فإن القضاة كانوا يطبقون أحكامها من غير حاجة إلى موافقة الحكام و ينفذون أوامرها دون الرجوع إلى أصحاب السلطان، و لأن قسما غير قليل من أحكام الشريعة عبارة عن قواعد و أسس عامة فإن القضاة كانوا يجتهدون لاستنباط الحكم الفرعي الفردي دون الحاجة لاستصدار قوانين من الحاكم، و تكون من هذا الاجتهاد و من اجتهاد أعداد من العلماء ( كرسوا حياتهم و دراستهم في تفسير القرآن و السنة و ما تضمنتاه من أحكام) ثروة فكرية هي التي سميت بالفقه الإسلامي، و بالضرورة و بحكم اختلاف الطبائع و الثقافات نشأت مدارس و مذاهب متعددة لكل منها أسلوبه في تفسير النصوص و طريقة استخلاص الأحكام و القواعد منها، ثم كيفية التطبيق و القياس على النصوص عند عدم وجود نص في ذات المسألة محل البحث، و التزام أكثر هذه المدارس و المذاهب بالأصول و القواعد السياسية التي وردت في النصوص الشرعية ( القرآن و السنة) فبعدت عن الشذوذ و الغلو خاصة مذاهب ذلك الفريق الذي يسمى بأهل السنة، و بالتالي انحصر خلاف تلك المذاهب و المدارس في الفروع دون الأصول و الأساسيات، و في بعض التطبيقات فقط،، و بالتالي عاشت هذه المدارس و المذاهب معا، خاصة في عصر الازدهار الثقافي, في وئام، و في نطاق أن الإسلام يشملهم جميعا حيث إن من القواعد المقررة في النصوص المتفق عليها بين أصحاب هذه المدارس و المذاهب أنه لا يرتد المسلم عن دين الإسلام برأي أو تأويل للنصوص ما لم يجحد و ينكر نصا قطعي الثبوت و الدلالة و إلا إذا كان التأويل و التفسير على نحو ترفضه بتاتا قواعد اللغة العربية التي هي لغة القرآن و السنة، و ظلت الأمة تحكم بالإسلام و تسير على تعاليمه دستورا و قانونا و عادة زهاء ألف و مائتي عام ( 1200 عام) إلى أن جاء الاستعمار الذي عرف أن قوة الأمة في إسلامها، فغير ذلك و أدخل على المسلمين ما أراد.
الغزو الأجنبي المسيحي للدول الإسلامية و إلغاء الهوية:
و كان من أول ما وقع نتيجة له استبعاد الشريعة الإسلامية من أن تكون الدستور و القانون الحاكم للدولة، و أساس نظام المجتمع، فبالنسبة لمصر مثلا تم الغزو الاستعماري في سبتمبر 1882، و في يوليو 1883 أي قبل أن يمر عام أنشئت المحاكم الأهلية، و كان أغلب قضاتها من غير المصريين و ترجمت قوانين فرنسية ترجمة تكاد تكون حرفية و أصبحت هي السائدة و المعمول بها في المواد المدنية و التجارية و في القانون الجنائي و لم يبق للمحاكم الشرعية الإسلامية من الاختصاص إلا في منازعات الأحوال الشخصية ( الزواج و الطلاق و ما يتعلق بذلك من ثبوت الأنساب و المهور و النفقات).
كما تغيير النظام الاقتصادي الإسلامي السائد إلى نظام البنوك الربوية مع أن الفائدة الربوية محرمة تحريما شديدا في شريعة الإسلام.
و في النظام التعليمي استحدثت مدارس تعنى بالعلوم الكونية بصورة بدائية لا تسمح إلا بتخريج موظفين محدودي الذكاء و الثقافة، و لا تعطي سواء فرصة هامشية لتعليم النشء أحكام عقيدته و دينه.
و في النظام الاجتماعي أبيحت الخمور و البغاء و ألعاب القمار و غير ذلك مما هو محرم في دين الإسلام.
المستعمرون و النفاق العلماني:
و لأن للعلمانية نظاما، و للإسلام نظاما، فهما لا يتفقان في أكثر من وجه، و لما كان مصدر مشروعية أي نظام هو القبول العام، و كان أغلب الشعب العربي مسلمين، فإن قبولهم نظام العلمانية لا يتحقق بدون إكراه ، إلا بالإبقاء على الإسلام دينا " لله" و استبعاده نظاما للحياة في الوطن الذي هو" للجميع" لتخلو الحياة العربية لنظام لا يتفق في أكثر من وجه مع الإسلام نظاما، و هذا هو النفاق طبقا لمعايير الصدق و الكذب في مخاطبة شعب عربي مسلم.
نضرب مثلا من مصر:
و لسنا نريد أن نذكر أحدا بقائد حملة الاحتلال الفرنسي عام
و قانون نابليون يعرف الحق، إقرارا به ( الحق في الحرية، الحق في المساواة، الحق في التملك... إلخ) سواء توفر لصاحبه مضمون الحق فعليا أم لا. و النظام الإسلامي لا يعرف الحق إلا على مضمون عيني يمارسه صاحبه فعلا. و قانون نابليون يطلق تملك الأرض بدون حدود، و النظام الإسلامي يقصر ملكية الأرض على الانتفاع دون الرقبة، و قانون نابليون يطلق حرية استعمال الحقوق دون قيود و لو أتلفها الاستعمال، و أما استعمال الحقوق في النظام الإسلامي فمحدود بصالح المجتمع. و قانون نابليون يحمل مرتكب الفعل الضار ( الفاعل المباشر) و حده مسئولية تعويض المضرور، و النظام الإسلامي يزيد فيحمل المتسبب في الضرر ( الفاعل غير المباشر) مسئولية التعويض ( الضمان) مع الفاعل المباشر، و في بعض الحالات، دونه. و قانون نابليون" لا يحمي المغفلين" و النظام الإسلامي يحمي ذا الغفلة أو ضحية الغش و التدليس... ثم إن قانون نابليون يحل "الربا" و الإسلام يحرمه تحريما قطعيا، كما حرمته كل الأديان.
كان الربا محرما "عقلا" مند أن قال أرسطو إن النقود لا تلد، ثم حرم "قبليا" مند أن حرمه اليهود فيما بينهم و أجازوه في إقراض غيرهم اتساقا مع القاعدة القبلية الجاهلية اليهودية: عداء الغير بدون حد أو قيد. ثم عاد محرما في المسيحية و بقي كذلك إلى منتصف القرن الثالث عشر، حين تحول البابا " إنوسنت الرابع" إلى منظم جيوش و قائد حروب لا تنقطع ضد الإمبراطور " فريدريك الثاني"، الذي نفاه من روما ، فلجأ إلى ليون، فأفلست الكنيسة. لجأ الباب إلى التجار "الشطار" مستدينا ديونا فادحة في مقابل فتوى بإباحة الربا فأفتى بالتفرقة بين ما إذا كان الإقراض بفائدة من أجل الاستهلاك الشخصي وبين ما إذا كان "لتمويل" عمليات تجارية أو صناعية (استثمار". فحرم الأولى و أحل الثانية ( ريجين برنود أصول البورجوازية)، و جاء دروز " تاريخ نهضة المذاهب السياسية". و لقد جاءت حركة التنوير و النهضة و العلمانية بعد ذلك فاستغنت عن الكنيسة و كل ما صدر عنها إلا هذه الفتوى، فهي ما تزال عندها مقدسة فهي على وجه جوهر نظام العلمانية الفردي الربوي أو حجر الأساس فيه، و ما يزال المنافقون في الأقطار العربية يرفعون على دولهم راية الإسلام، و يدسون في دساتيرهم أن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، أو ما شاؤوا من صيغ يصوغونها "رئاء الناس" ثم يبيحون الربا و يرددون فتوى البابا "انوسنت الرابع".
و إزاء هذا التعارض بين قانون نابليون و النظام الإسلامي احتال المستعمرون على الشعب العربي المسلم بأن تركوا له نظامه الإسلامي في "الأحوال الشخصية" مع أن قانون نابليون ينظم الأحوال الشخصية أيضا. و هكذا عرف الشعب العربي المسلم لأول مرة في تاريخه الطويل مند الفتح العربي ازدواج السلطة القضائية حين عرف القضاء "الأهلي" و القضاء "الشرعي".
أما في مجال الجرائم و العقوبات فقد كان النفاق أكثر فجرا. أراد المستعمرون أن يوهموا الشعب بأن قانون العقوبات الذي استعاره من نابليون يمثل إرادة "ولي الأمر" الشرعي، فيما هو مباح له شرعا من تحديد عقوبات "التعذير" على ما يقول بعض المجتهدين. فقدموا قانونهم إلى الشعب في مصر بما جاء في المادة الأولى من قانون الإصدار. تقول المادة: " من خصائص الحكومة ان تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية، و كذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة المباشرة، و بناء على ذلك قد تعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعا تقريرها و هذا بدون إحلال بأي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الإسلامية" و يعلق الدكتور السعيد مصطفى السعيد فيقول : إنهم كانوا " يخشون الفشل في تطبيق القانون الجديد لاختلاف ظروف المجتمع المصري في ذلك العهد عن المجتمع الأوروبي اختلافا كبيرا، و لأنه حل محل قوانين ترجع في أساسها لحد كبير إلى أحكام الشريعة الإسلامية مما دعا الشارع إلى أن يبرر إصداره في المادة الأولى". (شرح قانون العقوبات) و هكذا أصبح الزنا مباحا، و الخمر مباحا، و الميسر مباحا، و الكذب مباحا... في مجتمع أغلبيته من المسلمين، بالرغم من أنها محرمات عليهم في النظام الإسلامي.
فلنتأمل و ليتأمل معنا من يريد :
العلمانية الثائرة ضد استبداد الكنيسة بتنظيم العلاقات بين الناس، التي اتخذت من قبول الناس مصدرا لمشروعية أي نظام، التي ألغت ازدواجية السلطة، وفدت إلينا فاستبدت بنا شعبا و أرضا، و فرضت علينا نظمها فرضا، و خلقت الازدواجية في السلطة فنقضت مبادئها نقضا، فلماذا؟ لأن العلمانية ليست مع الدين أو ضد الدين بل هي بوابة نظام فردي (ليبرالي) ربوي (رأسمالي). و ما كان يهم العلمانيين، و لا يهمهم الآن، أن نؤمن جميعا أو نكفر جميعا، أن نبني المساجد و الكنائس أو نهدمها، أن تتعدد الزوجات أو لا تتعدد، أن تكبر العمائم أو تصغر، أن يشيع الفسق أو تشيع التقوى، أن يتحجب النساء أو يسفرن ... إلخ.
ما دام الإسلام كنظام للحياة قد استبعد، فأفسح مكانا لنظامهم، كفاهم عن كل حلال و حرام في كل دين أن أباحوا الربا و جعلوه نظاما فرضوه. و لقد بدأوا فحددوا لما أ سموه "الفائدة" سعرا عاليا، و أجازوا استحقاق فوائد على الفوائد و لو تجاوزت أصل رأس المال. و لكن هذا لم يكفهم فاستصدروا قرارا في 24 ديسمبر 1900م " أمرا عاليا" باستثناء "البيوتات المالية المشتغلة بتسليف النقد على رهونات (البنوك) من قيد الحد الأقصى للفائدة، فارتهنوا مصرا أرضا و أذلوها شعبا، و هم يبذرون فيها بذور العلمانية، و يستنبتون من أبنائها علمانيين، و لما كان من المحال مخادعة كل الناس كل الوقت، كان لابد لكي يقبل الناس نظامهم، من إقناعهم بان الإسلام دين "الله" و ليس نظاما للحياة في" الوطن" و ذلك عن طريق دعوة فكرية يقوم بها "دعاة" من العرب و المسلمين الذين أعتاد عامة المسلمين أن يستمعوا إليهم، و يخدعون بهم، و قد وجدوا للأسف كثيرا من المثقفين و بعضا من علماء منتسبين إلى الدين... و لكن هيهات أن يخدع الشعب (1)(أنظر في ذلك عن العروبة و الإسلام لعصمت يوسف الدولة ص240 و ما بعدها) المسلم أن يستغفل عن دينه و هويته، و إن غدا لناظره قريب.
30/7/2008
ماذا بعد خطاب الرئيس؟
وأنا أتابع خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ألقاه أمام رؤساء المجالس البلدية، و الذي اعترف فيه بفشل المشاريع الاقتصادية و التنموية مستخدما لغة خطاب هي أقرب إلى ما هو متناول عند عامة الناس في المقاهي والأسواق و الساحات العمومية، إلا أن خطاب الرئيس لم يتطرق إلى الفشل في المجال السياسي و لم يحدد من هو المسئول عن هذا الفشل وهنا تبادر إلى ذهني تساؤلان أساسيان سأحول التطرق إليهما بالتحليل و بحسب ما فهمت من الرسالة التي أراد الرئيس تمريرها إلى الرأي العام.
خطاب رئيس الجمهورية أعادني إلى ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الشاذلي بن جديد في شهر سبتمبر
خطاب السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة شبيه بظروفه و معطياته بخطاب الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث جاء الخطابين أمام السلطات الإدارية من رؤساء البلديات إلى أعضاء الحكومة، مرورا بالولاة.
خطاب الشاذلي بن جديد جاء بعد أحداث قسنطينة و قبيل أحداث أكتوبر
خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة جاء بعد أحداث الشلف، وهران و بريان.
خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تميز بنبرته العنيفة الموجهة للأجهزة السياسية و الإدارية، نوع من تبرئة الذات والتنصل من المسؤولية ، و بداية حملة لعدة ثالثة.
1) لماذا لم يعلن الرئيس عن الجهة المسئولة على هذا الإخفاق:
يقول القانونيون الاعتراف سيد الأدلة، و بما أن الرئيس هو صاحب المشروع، و الذي رفض عند توليه رئاسة الدولة في العهدة الأول أن يكون ثلاثة أرباع رئيس، و كان له ذلك، و هو الذي ساندته الأغلبية من الأحزاب (الأفلان، الأرندي، و حمس) و التي تخلت عن برامجها من أجل تحقيق برنامج الرئيس، و الرئيس هو الذي اختار الرجال الذين يسهرون على تحقيق برنامجه، و كل من اختلف مع الرئيس من رؤساء حكومات إلا و أزاحهم و نتذكر جيدا (السادة أحمد بن بيتور، و علي بن فليس)، و سخرت لبرنامج الرئيس كل وسائل الإعلام الثقيلة و امتلأت خزينة الدولة بـ 100 مليار دولار و هذه البحبوحة المالية لم تتوفر لأي رئيس جمهورية جزائرية من قبل، فكان لزاما على رئيس الجمهورية تحمل تبعات إختيارته إيجابا أو سلبا.
عدم تحمل الرئيس مسئوليته عن فشل برنامجه، هو محاولة لترك المجال مفتوح للبحث عن كبش الفداء الذي سيعلق عليه النظام السياسي مسئولية فشل برنامج رئيس الجمهورية، و قد بدأت بعض وسائل الإعلام بتوجيه أصابع الاتهام إلى وزير الصناعة و الاستثمار.
لو اقتصر الفشل على المجال الاقتصادي و التنموي لجاز لرئيس الجمهورية تحميل الفشل إلى المسئول المكلف بالقطاع، إلا أن الإخفاق شمل كل المجالات و في مقدمتها المجال السياسي، حيث عرف المسار التعددي و الديمقراطي في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تراجعا إلى ما قبل 1988، و لم يبقى من المؤسسات المنتخبة إلا الاسم، حيث أفرغت من محتواها و مهامها الأساسية و هي رفع انشغالات و هموم المواطنين و الدفاع عنها أمام السلطات التنفيذية
إلى مجرد غرف للتسجيل أو فرص للحصول على المنافع المادية و التقرب من أصحاب الحظوة و النفوذ، و خير دليل على ذلك عزوف المواطنين على الفعل الانتخابي في التشريعيات و المحليات الأخيرة، و خلت وسائل الإعلام الثقيلة من أي نقاش مخالف للسلطة، حيث أستحوذ عليه الرأي الواحد و البرنامج الواحد و الخطاب الواحد الممثل لوجهة نظر السلطة و من والاها، و رفض رئيس الجمهورية رفضا قاطعا أن يفتح التلفزيون أبوابه للرأي الآخر كما رفض فتح مجال الاستثمار في قطاع السمعي البصري و إنشاء قنوات فضائية خاصة، و خلا الشارع الجزائري من أي مظاهرات شعبية تعبيرا عن مواقف مخالفة للسلطة، أو تضامنا مع القضايا العربية و الإسلامية و على رأس هذه القضايا (فلسطين، العراق، أفغانستان...إلخ) بسبب قانون الطوارئ الذي رغم مطالبة بعض القوى السياسية برفعه ،لأن دواعي بقائه قد أنتفت، إلا أن السلطة رفضت الاستجابة رغم اعترافها بتحسن الوضع الأمني، كما رفض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاعتراف بالتعددية النقابية و أبقاها حكرا على الإتحاد العام للعمل الجزائريين رغم أن الشارع و الواقع فرض عدة نقابات مهنية استطاعة في عدة مناسبات فرض وجودها.
2 ) لماذا لم يتطرق الرئيس إلى الفشل في المجال السياسي؟:
إن الإخفاق في المجال السياسي و صل في عهد الرئيس إلى ذروته و طغت على الساحة السياسية أصوات الانتهازيين الذين يطبلون لكل رئيس و يأكلون مع كل عريس، و تعتبر الأزمة السياسية في الجزائر هي أم الأزمات، و في كل مرة يخفق النظام السياسي ممثلا بواجهته في السلطة في إحداث الإصلاح السياسي الذي يطالب به الشعب الجزائري، حتى يعود الاستقرار و الأمن للبلاد، و تعود الكرامة و العزة و الثقة للمواطن، و ظل الحلم الذي رواد الشعب كله في بناء دولة جزائرية حرة مستقلة تجمع كل الجزائريين و تحقق لهم ما حرمهم الاستعمار منه، و لكن آمال الجزائريين خابت مرة أخرى و طال انتظارهم، و لم يكن النظام السياسي الذي حكم الجزائر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا في مستوى مشروع التغيير، لأن النظام السياسي لم يحسن فهم الأزمة التي أوصلتنا إلى هذا الفشل المتكرر، حاول النظام السياسي و واجهته في السلطة حصر الأزمة في ما بعد
افتقاد النظام السياسي للشرعية الكاملة، تسبب في اختلال التوازن مما اضطر أصحاب القرار إلى صناعة بعض التوازنات و لكنها توازنات مغشوشة لا تصمد أمام المؤثرات التي تجتاحها من حين إلى آخر، عدم شرعية النظام السياسي أفرزت صراع المجموعات و دخلت الجزائر تحت حكم المجموعة المتغلبة، لتستمر ظاهرة الاختلال في شكل جهة على حساب جهات أخرى، و عشيرة على حساب عشائر أخرى و جيل على حساب أجيال أخرى، و تشكل نظام الأقلية التي تحكم الأغلبية.
فئويا: بتحكم جيل الثورة على جيل الاستقلال.
سياسيا: بتحكم السياسة العلمانية و إقصاء الوطنيين و الإسلاميين عن مراكز صناعة القرار.
فكريا: بهيمنة تيار الاندماج و التغريب ضد تيار الثوابت و الأصالة.
وانسحبت ظاهرة اختلال التوازن السياسي على المجال الاقتصادي، حيث ظل الاقتصاد الوطني رهينا للتقلبات العالمية باعتماده الكبير على المحروقات الذي يمثل 95 بالمائة من مداخل البلاد من العملة الصعبة و حوالي ⅔ من موارد ميزانية الدولة، مما جعله مرتبطا بسعر النفط العالمي و تقلباته ومما عرضه في حالات كثيرة للاختلال و الاهتزاز ولازالت هذه الظاهرة الاقتصادية مهيمنة على الاقتصاد الوطني رغم الشعارات التي رفعتها السلطة منذ الثمانينات، أي بعد أزمة النفط ، بتنويع موارد الدولة و تشجيع الاستثمار المنتج و الممتص لليد العاملة و تشجيع إنشاء المؤسسات الصغيرة و المتوسطة، إلا أن دار لقمان بقت على حالها، رغم الوفرة المالية التي تقارب 100 مليار دولار المكدسة في الخزينة، بينما المواطن البسيط لا يكاد يحصل على لقمة العيش إلا بشق الأنفس.
ويبقى الفشل هو السمة التي طبعت وستطبع هذا النظام السياسي، إذا لم تكن له الشجاعة و الإرادة من أجل إدخال إصلاحات سياسية يشترك فيها الجميع، كما نادى بها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله "الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع"، وعدم البحث عن استيراد الحل فهو نابع من قيمنا و أصالتنا ...
ولن نفلح إلا بما افلح به الأولون : الإسلام هو الحل.
27/7/2008
الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين (8/1)
الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين (8/1)
الإعداد و التأصيل الشرعي : أ.د.توفيق يوسف الواعي.
بسم الله الرحمان الرحيم ( ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين)
إيضاح وبيان بشأن الفكر السياسي للقضايا المعاصرة:
هذا المشروع جاء وليدا لدراسات علمية متخصصة أعدها أساتذة و خبراء من ذوي الاختصاص، و قد خضع لمناقشات مستفيضة في بحوث و ندوات و مؤتمرات عقدت لهذا الغرض.
كما كان هذا الفكر وليدا لممارسات على الساحة السياسية للإخوان المسلمين حيث تناول رؤاهم في أهم القضايا المعاصرة على الساحة العربية و الدولية، و جاءت بياناتهم المتكررة في الاجتماعات السياسية لتؤكد ذلك التوجه، كل ذلك كانت تحمله صحائف متفرقة، رأت الجماعة طباعتها في كتاب يضم شتاتها، حتى لا يظنن إنسان أن هذه مواقف للجماعة تمليها ظروف أو مناسبات، و يتحدث عنها بلسان المتحرج المتشكك.
و الجماعة لا تدعّي أن مشروعها السياسي قد بلغ الكمال أو أنه بعيد عن النقد، فمن رأى أفضل مما رأينا، فالدين النصيحة، و نحن نشكره و نعده بأخذ الأصلح و الأوفق و الأنفع في الدين و الدنيا.
و الله نسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل.
مقدمة:
الفكر السياسي الإسلامي من طبيعة هذا الدين الذي جاء ليحكم الناس بشرع الله و يقودهم إلى الخير و إلى الطريق المستقيم، دعوة الإخوان المسلمين جاءت لترد الناس إلى الفهم الصحيح الشامل و لتصلهم بالدعوة الأولى و المعين الصافي لهذا الدين.
لذا كان لزاما عليها أن تدور مع الإسلام حيث دار، و تقود الناس بالشريعة، و لا تلقي بالا إلى الأسماء و المسميات، فإن كانت قيادة الناس بالإسلام و إدارة شئونهم في الحياة تسمى سياسة، فنحن أعرق الناس في السياسة، و إن كانت استشارة الأمة في مصالحها الداخلية و الخارجية أصبحت اليوم تدار عن طريق نواب الأمة، فنحن أول من يستشار، و أولى بإسداء النصيحة من غيرنا للحكام و السلطات، هذا و قد تناول هذا المعنى و فصله فضيلة الشيخ حسن البنا – رحمه الله – تحت عنوان
" نحن و السياسة" فقال:
" و قد يقول بعض الناس: و ما للإخوان و البرلمان، و الإخوان جماعة دينية، و هذه سبيل الهيئات السياسية؟"
و أقول لهذا القائل في صراحة و وضوح: أيها الأخ، أما أننا سياسيون بمعنى حزبيون نناصر حزبا و نناهض آخر فلسنا كذلك، و لن نكون، و لا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل.
و أما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا و نعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تندرج تحت أحكامه، و أن الحرية السياسية و العزة القومية ركن من أركانه، و فريضة من فرائضه، و أننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية و لإصلاح الإدارة التنفيذية فنحن كذلك، و نعتقد أننا لم نأت به بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة"
و يوضح الإمام الشهيد ذلك في رسالة: " مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين" تحت عنوان "الذين و السياسة": فيقول:
قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن السياسة و الإسلام إلا و جدته يفصل بينهما فصلا، و يضع كل واحدة من المعنيين في جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان و لا يجتمعان، و من هنا سمية هذه الجمعية إسلامية لا سياسية، و ذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، و رأيت في صور القوانين و الجمعيات الإسلامية و مناهجها ( لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية).
و قبل أن أعرض إلى هذه النظرية بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:
أولهما: أن الفارق بعيد بين الحزبية و السياسة، و قد يجتمعان و قد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما في الكلمة من معان و هو لا يتصل بحزب و لا يمت إليه، و قد يكون حزبيا، و لا يدري من أمر السياسة شيئا.
و قد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا على حد سواء، و أنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة أريد بالسياسة المطلقة، و هي النظر في شئون الأمة الداخلية و الخارجية، غير مقيدة بالحزبية بأي حال، هذا أمر.
و الثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام، أو حينما أعياهم أمره و ثباته في نفوس أتباعه و رسوخه في قلوب المؤمنين به، و استعداد كل مسلم لتفديته بالنفس و المال، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام و لا مظاهره و شكلياته، و لكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، و إن تركت بعد دلك للمسلمين قشورا من الألقاب و الأشكال و المظهريات لا تسمن و لا تغني من جوع... فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء و الاجتماع شيء آخر، و أن الإسلام شيء و الثقافة العامة سواه، و أن الإسلام شيء يجب أن يبقى بعيدا عن السياسة.
فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة و غير الاجتماع، و غير الاقتصاد، و غير الثقافة، فما هو إذن... أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر، أم هذه الألفاظ كما تقول رابعة العدوية : استغفار يحتاج إلى استغفار، ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظاما كاملا محكما مفصلا ( تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة لقوم يؤمنون)(النحل16 ).
هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، و هذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام، هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، و أن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية التدين، و أن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.
أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة و وضوح و قوة، أن الإسلام غير هذا المعنى الذي أراد خصومه و الأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه و يقيدوه به، و أن الإسلام عقيدة و عبادة، و وطن و جنسية، و سماحة و قوة، و خلق و مادة، و ثقافة و قانون، و أن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شؤون أمته، و من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
و أعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، و له كانوا يجاهدون، و على قواعده كانوا يتعاملون، و في حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية، و رحمة الله على الخليفة الأول إذ يقول ( لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله ).
بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل و لمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا، يعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها غيور عليها. و أستطيع كذلك أن أقول إن هذا ا لتحديد و التجريد أمر لا يقره الإسلام، و إن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية و إلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.
دعوني أيها الإخوة أسترسل معكم قليلا في تقرير هذا المعنى الذي قد يبدوا مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائما نغمة التفريق بين الإسلام و السياسة، و الذي يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل: إن جماعة الإخوان المسلمين قد تركت مبادئها، و خرجت على صفتها، و صارت جماعة سياسية بعد إن كانت جمعية دينية، ثم يذهب كل متأول في ناحية من نواحي التأويل متلمسا أسباب هذا الانقلاب في نظره، و علم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا في يوما من الأيام غير سياسيين، و لن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين، و ما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة و الدين، و لن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين ( و إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه و قالوا لنا أعمالنا و لكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين )( القصص:55 )، و محال ان يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف ( صبغة الله و من أحسن من الله صبغة، و نحن له عابدون )(البقرة138 ).
الإخوان المسلمون مجاهدون:
و بعد هذا يتحدث الإمام البنا عن جهاد الإخوان المسلمين في سبيل الدعوة إلى الله تبارك و تعالى و إصلاح شؤون أمتهم، فيقول في خاطرته تحت عنوان:
الجهاد عزنا:
يعلم الله إن الإخوان المسلمين يعملون حين يعملون و هم يبتغون وجه الله ويريدون بذلك رضوانه و لا ينتظرون من احد جزاء و لا شكورا، ويعتقدون أنهم يقومون ببعض ما يوجبه الإسلام على أبنائه و لا يزالون بعد مقصرين، إنما نحب أن نبلغ الناس دعوتنا و نحدد لهم وجهتنا و نكشف عن حقيقتنا، لعلنا نجد منهم أعوانا على الخير و هداه إلى البر فيتضاعف النفع و يقرب المدى و تدنو الغاية و يتحقق ما نرجو من إصلاح شامل و إنقاذ عاجل، و إن كل يوم يمضي لا تعمل فيه الأمة عملا للنهوض من كبوتها يؤخرها أمدا طويلا. و إن في دعوة الإخوان لو فقهها الناس لمنقذا، و إن في منهاجهم لو اتبعته الأمة لنجاحا، و إن في جهودهم لو أعينوا عليها لأملا، و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.
و بعد فقد ورد في الصحيح ما معناه أن معاذا (رضي الله عنه) كان يسير مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فقال له: " إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر و ذروة السنام منه. إن رأس هذا الأمر لا الله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله، و أن قوام هذا الأمر إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و أن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله. إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و يشهدوا أن لا الله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا و عصموا دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله عز و جل. و الذي نفس محمد بيده ما شحب وجه و لا اغترب قدم في عمل تبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، و لا أتقل ميزان عبد كدابة تتفق (أي تموت) في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله ".
ذلك تعريف النبي (صلى عليه و سلم) للإسلام و هو أعرف الناس بالإسلام. و إن الإخوان المسلمين لا يحملون الناس على غير الإسلام و مبادئ الإسلام، و لا ينهجون إلا مناهج الإسلام و شعاب الإسلام.
و قد حدثتك عنهم في الصلاة و الزكاة و ما يريدون من أنفسهم و من الناس حيالها، و هي قوام الأمر و دعامته. فلأتحدث إليك الآن عن الإخوان المسلمين مجاهدين، و ماذا يريدون من أنفسهم و من الناس حيال الجهاد في سبيل الله، و هو من الإسلام ذروة السنام.
من الجهاد في الإسلام أيها الحبيب: عاطفة حية قوية تفيض حنانا إلى عز الإسلام و مجده، و تهفو شوقا إلى سلطانه و قوته، و تبكي حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف و ما وقعوا فيه من مهانة، و تشتعل ألما على هذه الحال الذي لا يرضي الله و لا يرضي محمدا عليه الصلاة و السلام و لا يرضي نفسا مسلمة و قلبا مؤمنة. ( و من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) كما ورد في الحديث الصحيح.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إيمان و إسلام
و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن يحملك هذا الهم الدائم و الجو اللاحق على التفكير في طريق النجاة، و تلمس سبيل الخلاص و قضاء وقت في فكرة عميقة تمحص بها سبيل العمل و تتلمس فيها أوجه الحيل، لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذا، و نية المرء خير من عمله و الله يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور.
و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تتنازل عن بعض وقتك و مالك و بعض مطالب نفسك لخير الإسلام و بني المسلمين... فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، و إن كنت تابعا ففي مساعدة الداعين تفعل، و في كل خير: ( و كلا و عد الله الحسنى ) و الله تبارك و تعالى يقول: ( ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك لا يصبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطأون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا يقطعون واديا إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)(التوبة 120 ).
و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تأمر بالمعروف و أن تنهى عن المنكر، و أن تنصح لله و رسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم، و أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و ما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، و ما أهملوا التآمر بالمعروف و التناهي عن المنكر إلا خذلوا ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم، ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون )
و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تكن جنديا لله تقف له نفسك و مالك لا تبقي على ذلك شيء، فإذا هدد مجد الإسلام و ديست كرامة الإسلام و دوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام، كنت أول مجيب للنداء و أول متقدم للجهاد ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة )(التوبة 111)، و في الحديث " من مات و لم يغز أو يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" (رواه مسلم" و بذلك يتحقق ما يريد الله من نشر الإسلام حتى يعم الأرض جميعا.
الضرب على يد الظالم مهما كان مركزه و سلطانه، و في الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" ( رواه أبو داود و البخاري) بمعناه، و عن جابر ( رضي الله عنه) قال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم): " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ".
و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله، أن تحب المجاهدين من كل قلبك و تنصح لهم بمحض رأيك، و قد كتب الله لك بذلك الأجر و أخلاك من التبعة. و لا تكن غير ذلك فيطبع على قلبك و يؤاخذك أشد المؤاخذة : ( ليس على الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله و رسوله ما على المحسنين من سبيل و الله غفور رحيم. و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. إنما السبيل على الذين يستأذنوك و هم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف و طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون )(التوبة 19 ).
و بعد ، فهذه بعض مراتب الجهاد في الإسلام و درجاته، فأين الإخوان المسلمون من هذه الدرجات.
فأما إنهم محزنون لما وصل إليه حال المسلمون، فعلم الله أن أحدهم يجد من ذلك ما يذيب لفائف قلبه و ينال من أعماق نفسه و يحز في قرارة فؤاده و يمنعه في كثير من الأحايين الأنس بأهله و إخوانه و المتعة بكل ما في الوجود من لذة و الجمال.
و أما أنهم يفكرون في سبيل الخلاص، فعلم الله أنه ما من فكرة تحتل أفكارهم و ما من خطة تستهوي عواطفهم و ما من شأن يشغل عقولهم كهذا الشأن الذي ملك عليهم رؤوسهم و قلوبهم و استبد منهم بشعورهم و تفكيرهم.
و أما إنهم يبذلون في هذا السبيل وقتا و مالا، فحسبك أن تزور ناديا من أنديتهم لترى عيونا قد أذبلها السهر و وجوها أشحبها الجهد و جسوما أضناها النصب و أخذ منها الإعياء على أنها فتية بإيمانها قوية بعقيدتها، و شبابا يقضون ليلهم إلى ما بعد انتصافه مكبين على المكتب أو عاكفين على المناضد و أترابهم في لهوهم و أنسهم و متعهم و سمرهم. و رب عين ساهرة لعين نائمة، و إنما نحسب ذلك عند الله و لا نمتن به(بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)(الحجرات 71). ما أسعدنا أن يقبل الله منا ذلك و هو منه و إليه.
و أما أنهم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، فقد بدأوا في ذلك بأنفسهم ثم بأسرهم و بيوتهم ثم بإخوانهم و أصدقائهم، و هم يتذرعون في ذلك بالصبر و الأناة و الحكمة و الموعظة، و هل ترى جريدتهم هذه إلا مظهرا من مظاهر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟ و هل ترى عظاتهم و أقوالهم إلا سبيلا في هذه السبيل؟
و أما ما بقي من درجات الجهاد فواجب الجماعة ( أي الأمة و السلطة)، فعلى الجماعة أن تجيب، و إن الإخوان المسلمين مثلهم في ذلك مثل الرعيل الأول لا يدخرون وسعا ولا يحتجزون جهدا، و هم يعلمون منزلة ذلك من الإسلام و يعلمون أن النبي ( صلى الله عليه و سلم) قال: " من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله و فيه ثلمة" و هم يسألون الله أن يوفقهم إلى لقائه و ليس فيهم ثلمات. و قد قال الله لنبيه (صلى الله عليه و سلم): ( لا تكلف إلا نفسك و حرض المؤمنين على القتال)(النساء 49)،( و أما القتال لأعداء المسلمين دفاعا على الإسلام و المسلمين، فالأخوان أبناء بجدتها، و الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم).
و إنا لنرجو أن نكون بذلك قد أبلغنا الجماعة، و أن يكون هذا الصوت قد وصل إلى نفوسهم فوجد منها خصوبة يزداد بها عدد العاملين و تنتظم معها صفوف المجاهدين ( و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، و إن الله لمع المحسنين)
الإمام / حسن البنا
رسالة: هل نحن قوم عمليون؟








