27‏/7‏/2008

الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين (8/1)



الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين (8/1)

الإعداد و التأصيل الشرعي : أ.د.توفيق يوسف الواعي.

بسم الله الرحمان الرحيم ( ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين)

إيضاح وبيان بشأن الفكر السياسي للقضايا المعاصرة:

هذا المشروع جاء وليدا لدراسات علمية متخصصة أعدها أساتذة و خبراء من ذوي الاختصاص، و قد خضع لمناقشات مستفيضة في بحوث و ندوات و مؤتمرات عقدت لهذا الغرض.

كما كان هذا الفكر وليدا لممارسات على الساحة السياسية للإخوان المسلمين حيث تناول رؤاهم في أهم القضايا المعاصرة على الساحة العربية و الدولية، و جاءت بياناتهم المتكررة في الاجتماعات السياسية لتؤكد ذلك التوجه، كل ذلك كانت تحمله صحائف متفرقة، رأت الجماعة طباعتها في كتاب يضم شتاتها، حتى لا يظنن إنسان أن هذه مواقف للجماعة تمليها ظروف أو مناسبات، و يتحدث عنها بلسان المتحرج المتشكك.

و الجماعة لا تدعّي أن مشروعها السياسي قد بلغ الكمال أو أنه بعيد عن النقد، فمن رأى أفضل مما رأينا، فالدين النصيحة، و نحن نشكره و نعده بأخذ الأصلح و الأوفق و الأنفع في الدين و الدنيا.

و الله نسأل أن يهدينا جميعا سواء السبيل.

مقدمة:

الفكر السياسي الإسلامي من طبيعة هذا الدين الذي جاء ليحكم الناس بشرع الله و يقودهم إلى الخير و إلى الطريق المستقيم، دعوة الإخوان المسلمين جاءت لترد الناس إلى الفهم الصحيح الشامل و لتصلهم بالدعوة الأولى و المعين الصافي لهذا الدين.

لذا كان لزاما عليها أن تدور مع الإسلام حيث دار، و تقود الناس بالشريعة، و لا تلقي بالا إلى الأسماء و المسميات، فإن كانت قيادة الناس بالإسلام و إدارة شئونهم في الحياة تسمى سياسة، فنحن أعرق الناس في السياسة، و إن كانت استشارة الأمة في مصالحها الداخلية و الخارجية أصبحت اليوم تدار عن طريق نواب الأمة، فنحن أول من يستشار، و أولى بإسداء النصيحة من غيرنا للحكام و السلطات، هذا و قد تناول هذا المعنى و فصله فضيلة الشيخ حسن البنا – رحمه الله – تحت عنوان

" نحن و السياسة" فقال:

" و قد يقول بعض الناس: و ما للإخوان و البرلمان، و الإخوان جماعة دينية، و هذه سبيل الهيئات السياسية؟"

و أقول لهذا القائل في صراحة و وضوح: أيها الأخ، أما أننا سياسيون بمعنى حزبيون نناصر حزبا و نناهض آخر فلسنا كذلك، و لن نكون، و لا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل.

و أما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا و نعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تندرج تحت أحكامه، و أن الحرية السياسية و العزة القومية ركن من أركانه، و فريضة من فرائضه، و أننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية و لإصلاح الإدارة التنفيذية فنحن كذلك، و نعتقد أننا لم نأت به بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة"

و يوضح الإمام الشهيد ذلك في رسالة: " مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين" تحت عنوان "الذين و السياسة": فيقول:

قلما تجد إنسانا يتحدث إليك عن السياسة و الإسلام إلا و جدته يفصل بينهما فصلا، و يضع كل واحدة من المعنيين في جانب، فهما عند الناس لا يلتقيان و لا يجتمعان، و من هنا سمية هذه الجمعية إسلامية لا سياسية، و ذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، و رأيت في صور القوانين و الجمعيات الإسلامية و مناهجها ( لا تتعرض الجمعية للشئون السياسية).

و قبل أن أعرض إلى هذه النظرية بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحزبية و السياسة، و قد يجتمعان و قد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيا بكل ما في الكلمة من معان و هو لا يتصل بحزب و لا يمت إليه، و قد يكون حزبيا، و لا يدري من أمر السياسة شيئا.

و قد يجمع بينهما فيكون سياسيا حزبيا أو حزبيا سياسيا على حد سواء، و أنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة أريد بالسياسة المطلقة، و هي النظر في شئون الأمة الداخلية و الخارجية، غير مقيدة بالحزبية بأي حال، هذا أمر.

و الثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الإسلام، أو حينما أعياهم أمره و ثباته في نفوس أتباعه و رسوخه في قلوب المؤمنين به، و استعداد كل مسلم لتفديته بالنفس و المال، لم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام و لا مظاهره و شكلياته، و لكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، و إن تركت بعد دلك للمسلمين قشورا من الألقاب و الأشكال و المظهريات لا تسمن و لا تغني من جوع... فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء و الاجتماع شيء آخر، و أن الإسلام شيء و الثقافة العامة سواه، و أن الإسلام شيء يجب أن يبقى بعيدا عن السياسة.

فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة و غير الاجتماع، و غير الاقتصاد، و غير الثقافة، فما هو إذن... أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر، أم هذه الألفاظ كما تقول رابعة العدوية : استغفار يحتاج إلى استغفار، ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظاما كاملا محكما مفصلا ( تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة لقوم يؤمنون)(النحل16 ).

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، و هذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام، هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، و أن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية التدين، و أن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة و وضوح و قوة، أن الإسلام غير هذا المعنى الذي أراد خصومه و الأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه و يقيدوه به، و أن الإسلام عقيدة و عبادة، و وطن و جنسية، و سماحة و قوة، و خلق و مادة، و ثقافة و قانون، و أن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شؤون أمته، و من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

و أعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، و له كانوا يجاهدون، و على قواعده كانوا يتعاملون، و في حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية، و رحمة الله على الخليفة الأول إذ يقول ( لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله ).

بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل و لمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا، يعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها غيور عليها. و أستطيع كذلك أن أقول إن هذا ا لتحديد و التجريد أمر لا يقره الإسلام، و إن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية و إلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.

دعوني أيها الإخوة أسترسل معكم قليلا في تقرير هذا المعنى الذي قد يبدوا مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائما نغمة التفريق بين الإسلام و السياسة، و الذي يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل: إن جماعة الإخوان المسلمين قد تركت مبادئها، و خرجت على صفتها، و صارت جماعة سياسية بعد إن كانت جمعية دينية، ثم يذهب كل متأول في ناحية من نواحي التأويل متلمسا أسباب هذا الانقلاب في نظره، و علم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا في يوما من الأيام غير سياسيين، و لن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين، و ما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة و الدين، و لن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين ( و إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه و قالوا لنا أعمالنا و لكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين )( القصص:55 )، و محال ان يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف ( صبغة الله و من أحسن من الله صبغة، و نحن له عابدون )(البقرة138 ).

الإخوان المسلمون مجاهدون:

و بعد هذا يتحدث الإمام البنا عن جهاد الإخوان المسلمين في سبيل الدعوة إلى الله تبارك و تعالى و إصلاح شؤون أمتهم، فيقول في خاطرته تحت عنوان:

الجهاد عزنا:

يعلم الله إن الإخوان المسلمين يعملون حين يعملون و هم يبتغون وجه الله ويريدون بذلك رضوانه و لا ينتظرون من احد جزاء و لا شكورا، ويعتقدون أنهم يقومون ببعض ما يوجبه الإسلام على أبنائه و لا يزالون بعد مقصرين، إنما نحب أن نبلغ الناس دعوتنا و نحدد لهم وجهتنا و نكشف عن حقيقتنا، لعلنا نجد منهم أعوانا على الخير و هداه إلى البر فيتضاعف النفع و يقرب المدى و تدنو الغاية و يتحقق ما نرجو من إصلاح شامل و إنقاذ عاجل، و إن كل يوم يمضي لا تعمل فيه الأمة عملا للنهوض من كبوتها يؤخرها أمدا طويلا. و إن في دعوة الإخوان لو فقهها الناس لمنقذا، و إن في منهاجهم لو اتبعته الأمة لنجاحا، و إن في جهودهم لو أعينوا عليها لأملا، و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

و بعد فقد ورد في الصحيح ما معناه أن معاذا (رضي الله عنه) كان يسير مع رسول الله (صلى الله عليه و سلم) فقال له: " إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر و ذروة السنام منه. إن رأس هذا الأمر لا الله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله، و أن قوام هذا الأمر إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و أن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله. إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و يشهدوا أن لا الله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا و عصموا دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله عز و جل. و الذي نفس محمد بيده ما شحب وجه و لا اغترب قدم في عمل تبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، و لا أتقل ميزان عبد كدابة تتفق (أي تموت) في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله ".

ذلك تعريف النبي (صلى عليه و سلم) للإسلام و هو أعرف الناس بالإسلام. و إن الإخوان المسلمين لا يحملون الناس على غير الإسلام و مبادئ الإسلام، و لا ينهجون إلا مناهج الإسلام و شعاب الإسلام.

و قد حدثتك عنهم في الصلاة و الزكاة و ما يريدون من أنفسهم و من الناس حيالها، و هي قوام الأمر و دعامته. فلأتحدث إليك الآن عن الإخوان المسلمين مجاهدين، و ماذا يريدون من أنفسهم و من الناس حيال الجهاد في سبيل الله، و هو من الإسلام ذروة السنام.

من الجهاد في الإسلام أيها الحبيب: عاطفة حية قوية تفيض حنانا إلى عز الإسلام و مجده، و تهفو شوقا إلى سلطانه و قوته، و تبكي حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف و ما وقعوا فيه من مهانة، و تشتعل ألما على هذه الحال الذي لا يرضي الله و لا يرضي محمدا عليه الصلاة و السلام و لا يرضي نفسا مسلمة و قلبا مؤمنة. ( و من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) كما ورد في الحديث الصحيح.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إيمان و إسلام

و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن يحملك هذا الهم الدائم و الجو اللاحق على التفكير في طريق النجاة، و تلمس سبيل الخلاص و قضاء وقت في فكرة عميقة تمحص بها سبيل العمل و تتلمس فيها أوجه الحيل، لعلك تجد لأمتك منفذا أو تصادف منقذا، و نية المرء خير من عمله و الله يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور.

و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تتنازل عن بعض وقتك و مالك و بعض مطالب نفسك لخير الإسلام و بني المسلمين... فإن كنت قائدا ففي مطالب القيادة تنفق، و إن كنت تابعا ففي مساعدة الداعين تفعل، و في كل خير: ( و كلا و عد الله الحسنى ) و الله تبارك و تعالى يقول: ( ما كان لأهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك لا يصبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطأون موطئا يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. و لا ينفقون نفقة صغيرة و لا كبيرة و لا يقطعون واديا إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)(التوبة 120 ).

و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تأمر بالمعروف و أن تنهى عن المنكر، و أن تنصح لله و رسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم، و أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة، و ما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، و ما أهملوا التآمر بالمعروف و التناهي عن المنكر إلا خذلوا ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى بن مريم، ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون )

و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تكن جنديا لله تقف له نفسك و مالك لا تبقي على ذلك شيء، فإذا هدد مجد الإسلام و ديست كرامة الإسلام و دوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام، كنت أول مجيب للنداء و أول متقدم للجهاد ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة )(التوبة 111)، و في الحديث " من مات و لم يغز أو يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق" (رواه مسلم" و بذلك يتحقق ما يريد الله من نشر الإسلام حتى يعم الأرض جميعا.

الضرب على يد الظالم مهما كان مركزه و سلطانه، و في الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر" ( رواه أبو داود و البخاري) بمعناه، و عن جابر ( رضي الله عنه) قال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم): " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله ".

و من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله، أن تحب المجاهدين من كل قلبك و تنصح لهم بمحض رأيك، و قد كتب الله لك بذلك الأجر و أخلاك من التبعة. و لا تكن غير ذلك فيطبع على قلبك و يؤاخذك أشد المؤاخذة : ( ليس على الضعفاء و لا على المرضى و لا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله و رسوله ما على المحسنين من سبيل و الله غفور رحيم. و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. إنما السبيل على الذين يستأذنوك و هم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف و طبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون )(التوبة 19 ).

و بعد ، فهذه بعض مراتب الجهاد في الإسلام و درجاته، فأين الإخوان المسلمون من هذه الدرجات.

فأما إنهم محزنون لما وصل إليه حال المسلمون، فعلم الله أن أحدهم يجد من ذلك ما يذيب لفائف قلبه و ينال من أعماق نفسه و يحز في قرارة فؤاده و يمنعه في كثير من الأحايين الأنس بأهله و إخوانه و المتعة بكل ما في الوجود من لذة و الجمال.

و أما أنهم يفكرون في سبيل الخلاص، فعلم الله أنه ما من فكرة تحتل أفكارهم و ما من خطة تستهوي عواطفهم و ما من شأن يشغل عقولهم كهذا الشأن الذي ملك عليهم رؤوسهم و قلوبهم و استبد منهم بشعورهم و تفكيرهم.

و أما إنهم يبذلون في هذا السبيل وقتا و مالا، فحسبك أن تزور ناديا من أنديتهم لترى عيونا قد أذبلها السهر و وجوها أشحبها الجهد و جسوما أضناها النصب و أخذ منها الإعياء على أنها فتية بإيمانها قوية بعقيدتها، و شبابا يقضون ليلهم إلى ما بعد انتصافه مكبين على المكتب أو عاكفين على المناضد و أترابهم في لهوهم و أنسهم و متعهم و سمرهم. و رب عين ساهرة لعين نائمة، و إنما نحسب ذلك عند الله و لا نمتن به(بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان)(الحجرات 71). ما أسعدنا أن يقبل الله منا ذلك و هو منه و إليه.

و أما أنهم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، فقد بدأوا في ذلك بأنفسهم ثم بأسرهم و بيوتهم ثم بإخوانهم و أصدقائهم، و هم يتذرعون في ذلك بالصبر و الأناة و الحكمة و الموعظة، و هل ترى جريدتهم هذه إلا مظهرا من مظاهر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؟ و هل ترى عظاتهم و أقوالهم إلا سبيلا في هذه السبيل؟

و أما ما بقي من درجات الجهاد فواجب الجماعة ( أي الأمة و السلطة)، فعلى الجماعة أن تجيب، و إن الإخوان المسلمين مثلهم في ذلك مثل الرعيل الأول لا يدخرون وسعا ولا يحتجزون جهدا، و هم يعلمون منزلة ذلك من الإسلام و يعلمون أن النبي ( صلى الله عليه و سلم) قال: " من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله و فيه ثلمة" و هم يسألون الله أن يوفقهم إلى لقائه و ليس فيهم ثلمات. و قد قال الله لنبيه (صلى الله عليه و سلم): ( لا تكلف إلا نفسك و حرض المؤمنين على القتال)(النساء 49)،( و أما القتال لأعداء المسلمين دفاعا على الإسلام و المسلمين، فالأخوان أبناء بجدتها، و الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم).

و إنا لنرجو أن نكون بذلك قد أبلغنا الجماعة، و أن يكون هذا الصوت قد وصل إلى نفوسهم فوجد منها خصوبة يزداد بها عدد العاملين و تنتظم معها صفوف المجاهدين ( و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، و إن الله لمع المحسنين)

الإمام / حسن البنا

رسالة: هل نحن قوم عمليون؟

ليست هناك تعليقات: