وأنا أتابع خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ألقاه أمام رؤساء المجالس البلدية، و الذي اعترف فيه بفشل المشاريع الاقتصادية و التنموية مستخدما لغة خطاب هي أقرب إلى ما هو متناول عند عامة الناس في المقاهي والأسواق و الساحات العمومية، إلا أن خطاب الرئيس لم يتطرق إلى الفشل في المجال السياسي و لم يحدد من هو المسئول عن هذا الفشل وهنا تبادر إلى ذهني تساؤلان أساسيان سأحول التطرق إليهما بالتحليل و بحسب ما فهمت من الرسالة التي أراد الرئيس تمريرها إلى الرأي العام.
خطاب رئيس الجمهورية أعادني إلى ذلك الخطاب الذي ألقاه الرئيس الشاذلي بن جديد في شهر سبتمبر
خطاب السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة شبيه بظروفه و معطياته بخطاب الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث جاء الخطابين أمام السلطات الإدارية من رؤساء البلديات إلى أعضاء الحكومة، مرورا بالولاة.
خطاب الشاذلي بن جديد جاء بعد أحداث قسنطينة و قبيل أحداث أكتوبر
خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة جاء بعد أحداث الشلف، وهران و بريان.
خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تميز بنبرته العنيفة الموجهة للأجهزة السياسية و الإدارية، نوع من تبرئة الذات والتنصل من المسؤولية ، و بداية حملة لعدة ثالثة.
1) لماذا لم يعلن الرئيس عن الجهة المسئولة على هذا الإخفاق:
يقول القانونيون الاعتراف سيد الأدلة، و بما أن الرئيس هو صاحب المشروع، و الذي رفض عند توليه رئاسة الدولة في العهدة الأول أن يكون ثلاثة أرباع رئيس، و كان له ذلك، و هو الذي ساندته الأغلبية من الأحزاب (الأفلان، الأرندي، و حمس) و التي تخلت عن برامجها من أجل تحقيق برنامج الرئيس، و الرئيس هو الذي اختار الرجال الذين يسهرون على تحقيق برنامجه، و كل من اختلف مع الرئيس من رؤساء حكومات إلا و أزاحهم و نتذكر جيدا (السادة أحمد بن بيتور، و علي بن فليس)، و سخرت لبرنامج الرئيس كل وسائل الإعلام الثقيلة و امتلأت خزينة الدولة بـ 100 مليار دولار و هذه البحبوحة المالية لم تتوفر لأي رئيس جمهورية جزائرية من قبل، فكان لزاما على رئيس الجمهورية تحمل تبعات إختيارته إيجابا أو سلبا.
عدم تحمل الرئيس مسئوليته عن فشل برنامجه، هو محاولة لترك المجال مفتوح للبحث عن كبش الفداء الذي سيعلق عليه النظام السياسي مسئولية فشل برنامج رئيس الجمهورية، و قد بدأت بعض وسائل الإعلام بتوجيه أصابع الاتهام إلى وزير الصناعة و الاستثمار.
لو اقتصر الفشل على المجال الاقتصادي و التنموي لجاز لرئيس الجمهورية تحميل الفشل إلى المسئول المكلف بالقطاع، إلا أن الإخفاق شمل كل المجالات و في مقدمتها المجال السياسي، حيث عرف المسار التعددي و الديمقراطي في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تراجعا إلى ما قبل 1988، و لم يبقى من المؤسسات المنتخبة إلا الاسم، حيث أفرغت من محتواها و مهامها الأساسية و هي رفع انشغالات و هموم المواطنين و الدفاع عنها أمام السلطات التنفيذية
إلى مجرد غرف للتسجيل أو فرص للحصول على المنافع المادية و التقرب من أصحاب الحظوة و النفوذ، و خير دليل على ذلك عزوف المواطنين على الفعل الانتخابي في التشريعيات و المحليات الأخيرة، و خلت وسائل الإعلام الثقيلة من أي نقاش مخالف للسلطة، حيث أستحوذ عليه الرأي الواحد و البرنامج الواحد و الخطاب الواحد الممثل لوجهة نظر السلطة و من والاها، و رفض رئيس الجمهورية رفضا قاطعا أن يفتح التلفزيون أبوابه للرأي الآخر كما رفض فتح مجال الاستثمار في قطاع السمعي البصري و إنشاء قنوات فضائية خاصة، و خلا الشارع الجزائري من أي مظاهرات شعبية تعبيرا عن مواقف مخالفة للسلطة، أو تضامنا مع القضايا العربية و الإسلامية و على رأس هذه القضايا (فلسطين، العراق، أفغانستان...إلخ) بسبب قانون الطوارئ الذي رغم مطالبة بعض القوى السياسية برفعه ،لأن دواعي بقائه قد أنتفت، إلا أن السلطة رفضت الاستجابة رغم اعترافها بتحسن الوضع الأمني، كما رفض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الاعتراف بالتعددية النقابية و أبقاها حكرا على الإتحاد العام للعمل الجزائريين رغم أن الشارع و الواقع فرض عدة نقابات مهنية استطاعة في عدة مناسبات فرض وجودها.
2 ) لماذا لم يتطرق الرئيس إلى الفشل في المجال السياسي؟:
إن الإخفاق في المجال السياسي و صل في عهد الرئيس إلى ذروته و طغت على الساحة السياسية أصوات الانتهازيين الذين يطبلون لكل رئيس و يأكلون مع كل عريس، و تعتبر الأزمة السياسية في الجزائر هي أم الأزمات، و في كل مرة يخفق النظام السياسي ممثلا بواجهته في السلطة في إحداث الإصلاح السياسي الذي يطالب به الشعب الجزائري، حتى يعود الاستقرار و الأمن للبلاد، و تعود الكرامة و العزة و الثقة للمواطن، و ظل الحلم الذي رواد الشعب كله في بناء دولة جزائرية حرة مستقلة تجمع كل الجزائريين و تحقق لهم ما حرمهم الاستعمار منه، و لكن آمال الجزائريين خابت مرة أخرى و طال انتظارهم، و لم يكن النظام السياسي الذي حكم الجزائر منذ الاستقلال إلى يومنا هذا في مستوى مشروع التغيير، لأن النظام السياسي لم يحسن فهم الأزمة التي أوصلتنا إلى هذا الفشل المتكرر، حاول النظام السياسي و واجهته في السلطة حصر الأزمة في ما بعد
افتقاد النظام السياسي للشرعية الكاملة، تسبب في اختلال التوازن مما اضطر أصحاب القرار إلى صناعة بعض التوازنات و لكنها توازنات مغشوشة لا تصمد أمام المؤثرات التي تجتاحها من حين إلى آخر، عدم شرعية النظام السياسي أفرزت صراع المجموعات و دخلت الجزائر تحت حكم المجموعة المتغلبة، لتستمر ظاهرة الاختلال في شكل جهة على حساب جهات أخرى، و عشيرة على حساب عشائر أخرى و جيل على حساب أجيال أخرى، و تشكل نظام الأقلية التي تحكم الأغلبية.
فئويا: بتحكم جيل الثورة على جيل الاستقلال.
سياسيا: بتحكم السياسة العلمانية و إقصاء الوطنيين و الإسلاميين عن مراكز صناعة القرار.
فكريا: بهيمنة تيار الاندماج و التغريب ضد تيار الثوابت و الأصالة.
وانسحبت ظاهرة اختلال التوازن السياسي على المجال الاقتصادي، حيث ظل الاقتصاد الوطني رهينا للتقلبات العالمية باعتماده الكبير على المحروقات الذي يمثل 95 بالمائة من مداخل البلاد من العملة الصعبة و حوالي ⅔ من موارد ميزانية الدولة، مما جعله مرتبطا بسعر النفط العالمي و تقلباته ومما عرضه في حالات كثيرة للاختلال و الاهتزاز ولازالت هذه الظاهرة الاقتصادية مهيمنة على الاقتصاد الوطني رغم الشعارات التي رفعتها السلطة منذ الثمانينات، أي بعد أزمة النفط ، بتنويع موارد الدولة و تشجيع الاستثمار المنتج و الممتص لليد العاملة و تشجيع إنشاء المؤسسات الصغيرة و المتوسطة، إلا أن دار لقمان بقت على حالها، رغم الوفرة المالية التي تقارب 100 مليار دولار المكدسة في الخزينة، بينما المواطن البسيط لا يكاد يحصل على لقمة العيش إلا بشق الأنفس.
ويبقى الفشل هو السمة التي طبعت وستطبع هذا النظام السياسي، إذا لم تكن له الشجاعة و الإرادة من أجل إدخال إصلاحات سياسية يشترك فيها الجميع، كما نادى بها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله "الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع"، وعدم البحث عن استيراد الحل فهو نابع من قيمنا و أصالتنا ...
ولن نفلح إلا بما افلح به الأولون : الإسلام هو الحل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق