يعتبر الكثير من متتبعي الساحة السياسية في الجزائر بان التعديلات الدستورية التي أقبل عليها النظام الجزائري تراجعاً على المكتسبات الديمقراطية و دق آخر مسمار في نعش الديمقراطية. التي راح ضحيتها خيرة رجال و نساء الجزائر منذ الانفتاح الديمقراطي سنة 1988، من أهم هذه المكتسبات تحديد العهدات الرئاسية بعهدتين لا ثالثة لهما الشيء الذي يسمح بالتداول على السلطة سلميا و ديمقراطياً ويمنع الخلود والدوام فيها كما كان معمول به منذ الاستقلال ، حيث كان من غير الممكن تنحية الرئيس إلا إذا توفي أو عن طريق الانقلاب العسكري. و هذا ما وقع في عهد الرئيس الجزائري الأول السيد احمد بن بله(1965) و ما وقع في عهد الرئيس هواري بومدين وفاته(1978) و في عهد الشاذلي
بن جديد إقالته سنة(1991).
التعديلات الدستورية المقترحة استهدفت بالأساس هذه المادة حيث استرجع النظام باليد اليسرى ما أعطاه باليد اليمنى في دستور 1996، الذي طرحه الرئيس اليمين زروال للاستفتاء، و كان فعلا مكسب من المكاسب الديمقراطية التي تحصل عليها الشعب الجزائري ثمنا لتضحياته منذ استرجاع السيادة الوطنية التي اعتبرت منقوصة مادام الحق في اختيار من يقوده لم يكون بيده بل بيد عُصب داخل النظام كانت ترى بان الشعب قاصر وغير ناضج في اختيار حكامه فكانت هذه العُصب هي الوصية عليه.
يبدو أن العُصب داخل النظام استغلت نكسة اغلب الأحزاب السياسية و الفعاليات الوطنية التي عوض إن تدافع عن المكاسب الديمقراطية و الحريات الفردية التي فوضها ممثلها للدفاع عنها راحت تقايض المبادئ التي أنشأت من اجلها مقابل بعض المناصب الوزارية والمكافئات المالية، فتحولت جل هذه الأحزاب إما إلى بوق لا هم لها إلا مدح رئيس الجمهورية و الدفاع عن برنامجه حتى ولو كانت منجزات هذا البرنامج سلبية أو إلى أحزاب لا هم لها إلا الطعن و القدح والشتم حتى ولو كانت هنالك مكتسبات ايجابية، وغاب الصوت الوسطي المعتدل الذي يقول للمحسن أحسنت للمسيء أسأت (رحمة الله على الشيخ محفوظ نحناح) الذي كان يمثل هذا النهج أحسن تمثيل، بينما لم يتمكن خليفته السيد أبو جرة السلطاني الثبات عليه وادخل حركة حمس في انشقاقات ونزاعات داخلية أبعدتها عن الرسالة التي انشأت من اجلها وأصبحت هذه الحركة التي علق عليها الشعب الجزائري آمالاً كبيرة كبقية الأحزاب لا هم لها إلا الحصول على المزايا الشخصية و المكتسبات المادية على حساب رسالتها ومبادئها.
يتساءل جل متتبعي الساحة السياسية الجزائرية لماذا لم يطرح النظام هذه التعديلات للاستفتاء الشعبي وأحالها على غرفتي البرلمان رغم أن كل التصريحات والخرجات الإعلامية لرئيس الجمهورية أو رؤساء الحكومات كانت تؤكد بان التعديلات الدستورية ستطرح للاستفتاء الشعبي، ليفاجأ رئيس الجمهورية الرأي العام وحتى أقرب المقربين إليه في خطابه الأخير خلال افتتاح السنة القضائية بان التعديلات لن تطرح للاستفتاء الشعبي بل على غرفتي البرلمان ويرجع الكثير من المحللين هذا التراجع إلى تخوف النظام من عزوف الشعب عن صناديق الاقتراع كما كان الشأن في الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في أقصى حدودها 30%.
التساؤل المطروح كيف لبرلمان غير معبر عن الإرادة الشعبية - يمثل تقريبا 4 ملايين من تعداد18 مليون تعداد الهيئة الانتخابية -أن يعدل مواد دستورية وخاصة المادة التي تحدد العهدات الرئيسية التي ثبتها الشعب عن طريق الاستفتاء سنة 1996؟
التساؤل المطروح كذلك لماذا انتظر النظام إلى غاية 6 أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية ليطرح هذه التعديلات بينما كان من الممكن طرحها على الساحة السياسية في وقت مبكر يسمح للفعاليات السياسية وللرأي العام الاطلاع عليها ومناقشتها ومعرفة الرأي المؤيد والرأي المخالف، وبعث ديناميكية سياسية، وفتح وسائل الإعلام الثقيلة للآراء المختلفة عكس مايحدث الآن، حيث لا يسمح للآراء المخالفة بالظهور في وسائل الإعلام الثقيلة، أليس هذا دليل آخر على تراجع الديمقراطية،بينما يسمح النظام الجزائري الظهور على وسائل الإعلام العمومية للمداحين والانتهازيين الذين يأكلون مع كل رئيس ويرقصون مع كل عريس.
ثم ماذا وراء هذه التعديلات الدستورية لاسيما التعديلات الخاصة بفتح العهدة الرئاسية إلى مدى الحياة وتعين وزير أول بدل رئيس الحكومة؟.
يريد النظام من خلال فتح العهدات الرئاسية إلى مدى الحياة تثبيت ديمقراطية الواجهة وذلك بإعطاء صلاحيات واسعة إذا لم نقل كل الصلاحيات لرئيس الجمهورية دون أن يخضع للمسائلة أو المحاسبة أمام المؤسسة التشريعية والمؤسسات الرقابية الأخرى، و كأن رئيس الجمهورية معصوم غير معرض للخطأ، حتى و إن أخطأ فليس هو الذي يدفع ثمن أخطائه بل الوزير الأول الذي يعينه رئيس الجمهورية ( أليس الجزاء من جنس العمل)، قد يتسأل البعض و يقول كيف هذا؟
وإليكم هذا المشهد لتتضح لديكم الصورة، رئيس الجمهورية هو صاحب البرنامج المقترح للتنفيذ، لكن ليس مسؤول أمام البرلمان، بل المسئول أمام البرلمان هو الوزير الأول المعين من طرف رئيس الجمهورية ليقوم بتنفيذ برنامجه وفي حالة عدم مرور البرنامج أمام البرلمان فمن الذي يسقط الرئيس أم الوزير الأول؟
الذي يعرف الإجابة له جائزة = مقعد في البرلمان=( 300.000 دج) ومزايا أخرى سيتم الكشف عنها في الحلقة القادمة.
